ـ افتقدتك يا حاج لأنك رجلي، واشتقت إليك لكونك أثمن مشاعري على الإطلاق.
ردّ قائلًا:
ـ لن يخيب أملك فيّ أبدًا. أبدًا.
النافذة
إنَّ نافذة في جلدي قد أشرعت. ظلت تبرق أملًا، وتتزود بشيء من ذلك الحب النابع من كون البؤس في ظروف واحدة واحدًا رغم تغير المكان. نافذتي شفافة كالزجاج سرعان ما تتهشم بحجارة يطلقها طفل ما لأنه قد رام التخلص من سقمه بقذفه حجارة، ولا يعلم مكانها أحد حتى أنا، قد تكون المجهول! ذلك المجهول الذي يطل على الماضي ليبشر الحاضر ويزف له نبوءة ما! أو عروس تنتظر موعد زفافها بلهفة! آنئذٍ تلتمع بها كؤوس من ارتعاشات الحب فوق مائدة الحلم الوردي، وأرى القمر أصبح أبيض كمصباح يغفو فوق زجاجة والزجاجة هنا الليل ـ الحب ـ الخيبة! ليطل من شعاع المصباح ومن خلال كؤوس اللذة عند مائدة الحلم، امرأة عجوز سوداء في السابعة والستين، لها عينان صغيرتان وحشيتان تغطيهما حواجب بيضاء كثة. تتدلى خصل الشعر الأبيض لكلا الحاجبين على عينيها ليمنحانهما شيئًا غامضًا. ربما يكون ذلك الغموض طلبًا جميلًا يجعل هنالك ترابطًا واضحًا بين الطفولة وخيباتها والكؤوس الفارغة وارتعاشات الأيادي وهي تطلب المزيد من نادل الحياة، القدر. تخاطبني بصوت ضعيف يصدر من أحد مقاعد المائدة الوردية، صدر متماسك كالصلب إلا أن حبلًا مجنونًا التف حول عنقي كالأفعى بالتفافها حول الرقبة، فتجعل الدماء تتزاحم وتعربد في عروقي عند الرقبة كأنها تقول:
ـ أراك خائبًا يا فتى.
شيء قد طفح في عيوني فجأة. إذ أشاهد خيطًا رقيقًا قائمًا من ضياء القمر يلوم في عينيها متقدًا مظفرًا بالذي قد فعل بي سؤالها ويداها الكبيرتان ترتجفان بوهن، لأقول لها بخيبة الذي خسر حبيبته بخجله المفرط:
ـ أجل إنني خائب.
تبحث بوجهي علها تجد شيئًا ضائعًا تستطيع العثور عليه بوجه فتى خائب، تحدق فيه، تتبحر فيه، تتعمق فيه كأنها نسيت ماضيها كله في وجهي أو في عيوني، كما تقول أمي لي دائمًا مداعبة إياي: لك عيون جميلة كأنهن عيون فتاة هندية!
عيون المرأة رجعت خائبة غير مشرقة رغم وحشيتها، تراجعت صوب جفونها مندثرة متأثرة برؤية ماضٍ أو بؤسٍ كانت قد وجدته في وجهي، لتقول بعد طول تبحر في صفاء وجهي وباستفهام:
ـ لماذا أنت خائب؟