-إنك تصر على تجاهلي يا هذا...
قاطعه الأمير مخاطبًا دموع:
-أصبحت خرائطنا مرسومة بالدم بعد أن قتلت أحاسيسنا، أفكارنا التي نحيا بها، ماتت التقاليد يا دموع... ماتت التقاليد.
يستشيط الخليفة غضبًا، بادره بالصراخ طالبًا من الحاجب الحضور:
-أيها الحاجب... أيها الحاجب... تعال إلى هنا لكي تخرج هذه القمامة من هنا بسرعة...
نطقت العيون الزرقاء، تحدث الجسد الهرم قائلًا:
-دموع! إن الإنسان يهرب من تعاسته بالقتل. لكن! الطيور بإمكانها الهرب من كل شيء دونما اللجوء إلى القتل، حياتنا لو كانت ثمنًا لراحة العالم، سنمنحها لهم، وهذا غير جائز معك يا أميرة.. فمثلك شفافة، حلوة، تشبهين التفاحة النضرة، صعب أن تمنح حياتك من أجل... آه... حياة الآخرين!
يأتي الحاجب ومعه الجلاد بسوطه، يأمرهما الرشيد بإخراج الأمير من ديوانه، باءت جميع محاولات إخراجه بالفشل، عاد الأمير الشيخ يتحدث لدموع، كأنه لا يرى غيرها في هذا الديوان، والعالم كله أصبح دموعًا، قال وصوته كصوت البحر إذا أزبد وأرغى:
-لقد علمتني الدنيا...
تقاطعه، وقد امتلأت بالحزن كما يمتلئ قدح الماء فتفيض جوانبه:
-من أنت؟ ما بالك ترتدي الأسمال البالية؟ ما لي أراك تحمل ثلاثة أكياس؟ ما الذي تلف به رأسك بدل العمامة؟ ما الذي تضعه على أنفك؟
جاءها صوت الأمير باردًا عاصفًا:
-أنا من تقرّحت قدماه من السير فوق خرائط الدم، أنا عبد الأمير الشحاذ، أرتدي الأسمال البالية لأنها زي كل الفقراء يا مولاتي. أحمل الأكياس الثلاثة معبأة بالأواني الفارغة، والقناني، لأنها عدة كل أمير لحفلاته، الذي أضعه على أنفي قطعة من القماش تجعلني استنشق هواء نقيًا لأن هواء الدنيا كلها يزكم أنفي لما فيه من نتانة يا ملكتي.
عصف صوت الخليفة كمدفع في الديوان، أطلق قذيفته، سقطت أمامه وحدث الذي لم يكن بالحسبان:
-شحاذ... أيها الوغد…! أيها الحاجب خذه وأطح برأسه.
هكذا وجدت نفسي
شيء لا يصدق أن تجد نفسك تحدث حمارًا مسكينًا، يحاورك بكل طلاقه، هذا يذكرك بأن تعيش في منزل مهجور أبوابه تصر بانغلاقها وانفتاحها دون أن يحركها أحد. الذي حركها هو نفسه الذي جعل الحمار يتكلم، يخاطب"السيد وجع"حماره قائلًا:
-إن حياتي ضائعة!
تتنفس روح"وجع"أقدارًا شوكية، تجتر أوجاعه، أيامه، حياته كلها كالبعير الذي يجتر العاقول، سقط بفعلها مكدودًا، تكلم الحمار كأنه جراح يزيل بمباضعه ندبات الزمن الغادر:
-حياتنا ضائعة يا سيدي.