تختلط أصداء العواطف مع صهيل خيول العاصفة، تناهى إلى مسامع دموع التي بدت كأنها مساء ساحر اختلط فيه أنين (داخل حسن) مع صهيل خيول متمردة تنبثق من أعماق التاريخ، أصواتها سياط تلهب جسد الريح -الزمن سجن- ذيول الجياد سياط تلسع عصافير أسقمها حبسها، تنظر إليه مكتشفة في بريق عينيه عالمًا من التساؤلات، عالمًا من الرغبات المكبوتة والأحاسيس المرهفة، والأفكار السجينة مجموع ذلك كله يشكل نهرًا دفاقًا من السعادة- السعادة التي إذا ما مرت فوق عشب يابس أخضر ونما، قالت دموع وصوتها عذب كالسعادة:
-مولاي الخليفة! اصنع لنفسك مركبًا وسأكون شراعك المتين!!
-سألها الرشيد بحزن لم تعهده:
-أنبحر في شريان الدم رغم كل القتل الذي يجتاح الدنيا؟
تجيبه:
-مولاي! إن حياتنا قصيرة، عندما يمر بنا مركب الزمن فلن يتوقف، ولا يعود.
يضحك بحزن قائلًا:
-دموع! إنك حلوة كما الدنيا.
يدخل حاجب الخليفة متمنطقًا بسيفه، قال بعدما أدى تحية الولاء:
-مولاي! هناك أمير ينتظر المثول بين يديك. لكن يبادره هارون الرشيد:
-لكن! ماذا؟
يجيب الحاجب متلعثمًا بكلماته مهابة لمولاه:
-هيئته، منظره، ثيابه كلها لا تدلل على كونه أميرًا، بالإضافة إلى ذلك... يقاطعه الخليفة مغاضبًا:
-بالإضافة إلى ماذا أيها الحاجب؟... تكلم.
يجيبه الحاجب بتلكؤ:
-يا مولاي الخليفة! إنه... عفوك... لا يرتدي خفًا!!!
أستغرب الرشيد قول الحاجب، بدا وكأن الوقت -الزمن- قد سحقه وأثقل عليه، تساءل في نفسه: أيكون هذا الزي الذي يدعيه الحاجب خاصًا بملوك، وأمراء عصر غير زماني هذا؟.. قال بشدة: -دعوه يدخل-
مثل نهر مهتاج تدفق الأمير على ديوان الخليفة، لم ينحن لمولاه الخليفة، نظر بعينيه الزرقاوين الصافيتين كبحر أزرق، وقال:
-أنا أمير يا دموع! أنا عبد الا...
يقاطعه الخليفة حانقًا:
-تحدث معي يا أمير.. ألا تعلم أنك تقف في حضرة الرشيد؟ أمير أي بلد أنت؟... من أين أتيت؟ وهل أمراؤكم يرتدون زي الشحاذين يا...؟
يضحك الأمير بسخط حتى تعالت قهقهاته، كأنها العاصفة التي بدأت ترعد خارج القصر أضاف الخليفة:
-ما الذي يضحكك؟... تكلم!
ما زالت كل براكين الأرض خامدة لا تستعر. لكن! بإمكان شرارة صغيرة أن تجعل الأرض تتنفس بعمق فتزفر جهنم إلى الخارج، بهذا تغرق الأرض في بحر من الحمم المستعره، تساءل الأمير:
-دموع! كيف يعيش الإنسان وسط أنهار الدم وبرك القتل؟ كيف؟
بادره الرشيد وقد استبدت به كل ثورات الغضب: