فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 39

قاطعتها بلهجة رسمية:

-طبعًا الموتى!

عارية (( تاجية ) )تستلقي، خيوط الفجر تغتسل بدموع الشموع طاردة كل أثر للنعاس، أيقنت بأنني من وضع الشمع الأحمر فوق بوابة الليلة الماضية، فسال الشمع الأحمر شوقًا في انحدار ظلفتي البوابة السحرية.

تسيد الفجر، أغمض عيون النار أجفانها، تراقصت، خشخشات ناعمة أصدرتها إغفاءاتها المتثائبة نشوة، فردت الحياة أجنحتها، راحت تنظف ريشها الزاهي بمناقير قدت من وهج الشمس، شرعت غربان المقبرة بالبحث عن غذائها، غراب أسود كبير بجناحين أبيضين عظيمين يحوم فوق (( تاجية ) )المضطجعة على الأرض، مباعدة ساقيها ما وسعها، مغرية الغراب على النعيق، استفاقت مذعورة، تتلفت كمن داهمها لصوص سرقوا سعادتها منها، راحت تنشد منتحبة:

(( شعندي وشخليت تنغك يا لغراب ... تنذكر ما تنشاف خليت الأحباب ) )

ازداد الغراب صلفًا، ينعق بعناد بينما (( تاجية ) )ترتدي ملابسها، صرخت بهستريا مؤلمة:

-اغرب عني.. أجئت لتعلمني بنذير شؤم.. اغرب عني

غادرتها متجهًا إلى مهجعي كي ما أنام بعد تعب الليلة الفائتة، قلت وطعم اللذة المجنونة يقوّم أسناني النخرة:

-قولي للغراب: سكين وملح.

فغمزت (( تاجية المجنونة ) )بعينيها الباسمتين، ولتصرخ بجنون:

-سكين وملح.. سكين وملح.

الخيول المتعبة لم تصل بعد

-لا تقاطعيني، فأنا لم أنه كلامي بعد.

قالها هارون الرشيد غاضبًا، نظر كمن يتوجس خيفة بعيني (دموع) السوداوين، ظنت دموع بأن عاصفة من الغضب آتية في الطريق. إذ كان يتناهى إلى مسمعها صوت رياح عاتية، الشمس لأول مرة تراها دونما ألق، بادرها الرشيد قائلًا:

-تغير الزمن يا دموع! وتغير هارون، كا...

قاطعته وفي عينيها صرخة احتجاج تصدر من أعماق أتعبها عزف موسيقى تتجول أصداؤها في جوف امتلأ بالأسى:

-نعم! تغير هارون، ظهر بدلًا عنه ملايين الرجال الذين يدعون بـ (هارون)

يجيبها وصوته يسابق صوت المطر الذي أخذت تتقيؤه السماء، وكأن هذه السماء خيول متعبة أضناها الجري فبدأت تتقيأ ما التهمته من صراخ الخليفة:

-ليس هارون وحده الذي تغير، بل كل التقاليد والعهود، الأحاسيس والإنسان الشجر والأغصان، السحابة والمطر، السجان والسجين. آه... كل العواطف تغيرت، حتى البحر تغير. والرشيد وسط ذلك كله يقف على الساحل وحيدًا بلا مركب، بعد أن رحلت كل المراكب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت