فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 39

أما المجانين مختلفون، طيبون، ومشاعرهم نبيلة. لم أعان قط مثل هذا الإحساس الذي راح يمزقني بين شعوري بالعطف عليها، وبين محاولتي لملمة جنونها المتبعثر، واحتوائه، نشطت بداخلي مرارة الحياة، وبأنني معشوشب هنا في المقبرة، كأنني عشبٌ ضار يقتات وجعًا، يتلبسني الإنهاك كوني زمنًا مضى، بل فكرة سرعان ما تناقضها حياة أرهقها الطوفان بين القبور حارسًا للموتى. اكتشفت صورهم بتجمعهم في عرس المجنونة، قلت بعدما انحسرت كلماتي في أحد زوايا جسدي، انتشلتها متسائلًا:

-ما أسمك؟

كأنها مغامر يتسلق جبال حصاروست، لتقول:

-تاجية.

أثنيت إعجابًا باسمها، سألتها من جديد:

-ما هي قصتك؟

تحوم كخفاش، عيناها السوداوان أشبه بغرابين يبحثان عن غصن يحطان عليه، تقول بلغه: استكشافية لبواطن الأمور:

-لقد زوجني أهلي عنوة، وأنا بعد بنت في الرابعة عشرة من عمري، لشخص يدعي بأنه: تاجر! أنجبت له خمس بنات، باعهن زوجي لأحد بيوت الدعارة هه.. لقد كان: قوادًا.

انتهكتني كلماتها، رحت أطوف صارخًا بغابة القبور الصماء، أصرخ محفزًا كل الموتى على -النهوض- من سباتهم الأزلي، تشاركني (( تاجية ) )الصراخ والطواف بين القبور تبكي بناتها، حظها، وألمها الذي زعزع كياني، مزق يقيني بالحياة، أمسكتها من يدها مهدئًا، داهمني منظر الدموع السابحة في الكحل الأسود، قلت لها:

-اجلبي طبولك، دقي، اقرعي عليها إيقاعًا يوقظ الموتى، فهم أصدقاء اليوم.. دعي أصابعك تضاجع طبول الفرحة.

تهلل وجه (( تاجية ) )وهي تقول:

-افرحوا يا أمواتنا وابتهجوا، فإن (( تاجية ) )ستزف الليلة لعريسها.

تزغرد، تقرع طبولها، تراقصه نغماتها فوق جذع شجرة الكافور المنتصبة وحيدة وسط القبور، لتقول ثانية:

-أنذر نفسي لمن يساعدني في العثور على بناتي، ضحكت بحزن، صرخت طبولها

-أحب نفسها لمن يوقظ منسيي هذا العالم.

تستفيق عيون الفجر، تدعك عيونها بأياد من برد الصباح، يتثاءب الفجر نديًا، يطالعني وجهها مغردًا بالفرحة، يداها تعملان على قرع الطبول، أندفع محركًا الهياكل العظمية، والمحاجر بعيونها النارية تبارك عملنا، نوقظ الموتى، يرتفع صراخنا مختلطًا مع قرقعة العظام، وأزيز الشموع المحترقة، سكتت الصراصر، راحت نسمات عذارى تنعش أجسادنا المتعبة، قلت لها:

-أتعلمين أن البشر مقيدون حتى وهم في مثواهم الأخير. فكيف يبحثون عن بناتك...؟ دعينا نحررهم من قيودهم.. هـ..

تقاطعني متساءلة بغباء:

-نحرر من؟ الأحياء أم...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت