-ابكي! فالدموع وحدها كفيلة بإراحتك.
ارتدى الليل ثوبه الجنائزي الأسود، اكتست القبور بظلام أب الحالك، نظرت ذاهلًا، مندهشًا من المرأة، طلبت علبة ثقاب، أعطيتها ما طلبت انبعث الضوء راجفًا بوهن بدد ظلمة أب، استطعت فيها مشاهدة وجهها المتغضن تعبًا، هامت تزرع النيران في محاجر العيون، كأنها فلاح يوزع شتلات الرز في أرض منقوعة بالمياه، تضيء جميع الشموع داخل المحاجر، انتشر النور قادمًا من عصور سحيقة، موحشة، ليملأ المكان برائحة الشمع والجماجم المحترقة قلت مستفهمًا بقسوة:
-أسعيدة أنت بضوء الشموع؟
تقول بلهجة مستهزئة:
-قل لي بربك! عمرك كله شاهدت فيه عروسًا حزينة يوم زفافها -يوم سعدها- اليوم الوحيد في حياتها الأكثر سعادة!
أغاظني كلامها، قلت لها:
-عن أي زفاف تتحدثين؟ وأين الزوج المزعوم؟ ومن سيرضى بك زوجة له؟ من..؟
إنها غيمة بدأت تهمي مطرًا، اختلط صوت ضحكتها بصوت صرير الصراصر الحاد، قالت بعدما فرغت من ضحكتها المستهزئة:
-أنت من سيرضى بي!
خرقت بدبوس طويل حاد لسماعي كلماتها، قلت غاضبًا:
-أمجنونة أنت... أمجنونة أنت...؟ تكلمي.
تجيب بهدوء:
-أجل! مجنونة.. مجنونة لأنني أقتات على السعادة كما العصافير التي تعيش سعيدة وهي تزقزق قبل التزاوج، مجنونة لأن في أعماقي تسكن امرأة... أنثى بانسدال ستائر الليل تتفجر بركانًا من الشهوة: فأعيش زفافًا كل ليلة... ينتهي بنشوة عامرة مع أحد العابرين. حينها أنام نومًا عميقًا... عميقًا جدًا.
أذهل لكلماتها، أمتثل مرغمًا لقسوة الحياة، الحزن يصر بداخلي، يكَّز بقوة ساحقًا بأسنانه القوية على مشاعري، جعلني أغامر قائلًا:
-سأحضر يومًا لنعيش زفافًا يبدد وحشتنا، نريق غربتنا ضحية للعرس. لكن! بدون جماجم وهياكل لأنها أمانة في عنقي.
فقالت بغير ما صبر:
-لماذا غير هذا اليوم؟ الآن سنحييّ عرسنا.
صرير الصراصر حاد وموجع، تقول ودموع الفرحة تترقرق من عينيها:
-سأنجب لك العديد من الأبناء.
وبخت نفسي لتهوري، قلت غير راضٍ عن اقتراحها:
-أتريدين أن تنجبي مجانين. تكلمي! أتريدين زيادة عدد مجانين العالم؟ أم تراك تنجبين مجانين من النوع السوبر؟ ها.. تكلمي..
وتقاطعني صارخة:
-كل الرجال متشابهون قساة القلوب، بلا مشاعر أتسمع يا رجل...