فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 39

كنت دائمًا واقعيًا، ولم أحلم قط بأن أكون خياليًا. جلت نظري متفحصًا، تخترق عيوني العديد من الهياكل العظمية تصطف على شكل أزواج، العشرات من الجماجم موزعة على مواضع منتخبة بإتقان وقد رتبت على شكل أزواج فوق القبور. علمت ساعتها أن هذه المرأة تعيش جنونًا يشابه حلقات الخوف عندما تنداح لتكبر متحولة إلى هوس مدمر، سحبت حبلًا بجانبها، تراجعتُ مذعورًا إلى الوراء، أصدرتْ الهياكل العظمية طرطقه مزعجة بفعل تصادم العظام مع بعضها، قالت بسذاجة:

-إنها تصفق مرحبة بقدومك.

حاولت استرجاع جرأتي، لم أفلح، نقلت بصري بينها وبين الهياكل العظمية، الجماجم التي تحدق بي بمحاجرها الفارغة كأنها صقيع بارد يجمد الأجساد فلا تبقى سوى النظرات البليدة، ارتفعت القعقعة تصدر من حولي تزعزع يقيني بما أشاهد، تحسست وجهي، قرصت يدي بقوة تأكدت أنني لم أكن أحلم، والشمس بانحدارها نحو الغروب تترك صبغتها الحمراء كالدم تعتمر بها قمم القبور، لم يبق بداخلي جزء إلا وارتجف، راح جسدي يتصبب عرقًا غزيرًا، داهمني شعور بأن نذير شؤم ستحمله الساعات القادمة، ارتفع صوتها كالانفجار:

-سنزف خلال لحظات.

أغمض عينيَّ لإراحتهما، أشعر بأن قلبي السجين يقف أمام فرقة الإعدام منتظرًا موته، أنتفض فزعًا، يداها ذات القبضتين الوحشيتين تعتصراني بقوة، وددت البكاء نعم! البكاء لما أنا فيه من تمزق. لعنت اليوم الذي عملت فيه حارسًا للمقبرة، رن صوتها وسط شعوري بالضعف والوحدة:

-لأول مرة في حياتي أشاهد عريسًا غير سعيد بزواجه؟

رفعتني بعيدًا عنها، لتقول:

-لماذا خطبتني؟

أختنق صوتها بداخلها، راحت شفتاها ترتجفان بشدة، عيناها السوداوان الوحشيتان تهطلان دموعًا مخضبة بالكحل، أحسست بأنني كطائر البوم وحيد إلاّ من: مشاهداتي، تعطلت حواسي داهمتني قشعريرة برد كمن سكب عليه ماء بارد في شتاء قارص، أخذت بيدها، أجلستها فوق أحد القبور قائلًا:

-اجلسي! سيكون لك ما تشائين.

كانت مصرة على البكاء، لتذكرني بأيامي الماضية التي أنفقتها في مراقبة عوائل الموتى وهم يبكون موتاهم، ألبث مضطربًا لبعض الوقت لأسألها بعدما لوَّعني بكائها:

-علام تبكين؟

تدحرج صوتها بداخلها مندفعًا كصخرة سقطت من علٍ، قالت وهي تكفكف مطرها الأسود:

-وحيدة أبكي كل شيء في حياتي فحياتي بكاء في مأتم.

غريبًا وسط الموتى أعيش، شعور باليأس شرع يقتات علي، يتآكلني تعب مزمن لما أشاهد من فواجع، قلت بقناعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت