هم في الخير قادة، وفي الهدى سادة، يقتدى بأفعالهم، وتتبع أقوالهم، وتقتص آثارهم، وترغب الملائكة في مجالسهم، وبأجنحتها تحفهم، وكل رطبٍ ويابسٍ يستغفر لهم، فكفى بذلك شرفًا وفخرًا.
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه وللرجال على الأفعال أسماء
وضد كل امرئ ما كان يجهله والجاهلون لأهل العلم أعداء
فقم بعلم ولا تطلب به بدلًا فالناس موتى وأهل العلم أحياء
موت العالم ثُلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار.
قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} سورة الرعد (41) ، فما معنى ننقصها من أطرافها؟
ذهب ابن عباس وغيره من علماء السلف والتفسير إلى أن معنى ذلك ذهاب علماءها وفقهائها وخيار أهلها، وهذا أحسن ما قيل في تفسير الآية، حتى قال ابن عبد البر:"تلقاه أهل العلم بالقبول"أي: هذا القول.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رءوسا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) )رواه البخاري رحمه الله برقم (100) .
عباد الله: لقد فجعت الأمة والعالم الإسلامي بموت حبر من أحبار الإسلام، وذهاب عالم من علمائه، وهو الشيخ عبد الله بن جبرين، رحمه الله رحمة واسعة.
هذا العَلَم الذي شرح الكتب، وكان مفسِّرًا وفقيهًا محدثًا ومربيًا عظيمًا، وعالمًا جليلًا، وأبًا حانيًا، ونحويًا، وأديبًا، وقدوة وإمامًا كبيرًا.
الذي بذل حياته في العلم، محتسبًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذابًا عن السنة، خصمًا لأهل البدعة، نفع الله به نفع الغيث وأشد، وعِلْمُه في الآفاق، وتتلمذ على يديه وتخرج من تخرج من أهل العلم والفقه والقضاء، وقد دفن بوفاته علم غزير.
قال عمر بن أبي عمار:"لما مات زيد بن ثابت رضي الله عنه جلسنا إلى ابن عباس في ظل، فقال: هذا ذهاب العلماء، دفن اليوم علم كثير".
ولا شك أن أفئدة المؤمنين تحزن لرحيل الشيخ وأمثاله من الأعلام الكبار الذين مضوا من قبله أيضًا، فالعين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا أيها الشيخ لمحزونون.
لم يكن فقيد أسرة ولا قرية، ولا مدينة ولا قطر ولا إقليم، ولكنه فقيد للأمة بأسرها
فما كان قيس هلكُه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما
رحل وقد قارب الثمانين، في حياة قضاها في العلم والتعليم والدعوة والعبادة، جلس للتدريس عشرات السنين، ودوّن المؤلفات النافعة، وتولى الإفتاء، وظهرت صنائع المعروف على يديه، يعود مريضًا، ويصلي على جنازة،