ترى الشيخ عبد الله في شروح كتبه، وعلمه في شروحه أكثر مما تراه في فتاويه، وبعض الناس لا يعرف إلا نزرًا من فتاوى الشيخ، وعلمه في شروح كتبه، فيستدل بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم، من المتقدمين والمتأخرين والفقهاء والمحدثين والأثر والنظر ومن أقوال السلف ومن المتأخرين من الخلف، وهكذا يورد ويسرد يدلل، ويناظر ويحج ... وهكذا يبين كما أمر الله أهل العلم، لتبيننه للناس ولا تكتمونه.
ومنهم اليوم من هؤلاء الذين برزوا على الناس يستحي الواحد أن يقول عن مسألة حرمها الله حرام، لأنه يرى أن الجماهيرية والشعبية تتنافى مع التحريم، وأنه إذا أراد أن يزداد شعبية على القنوات فعليه أن يتجنب كلمة حرام ولا يجوز، فيميعون الدين، ويخبطون خبط عشواء في شريعة رب العالمين، ويريدون استرضاء فلان وعلان، ودغدغة مشاعر المشاهدين، فأين العهد الذي أخذه الله عليهم لتبيينه للناس ولا تكتمونه، وهؤلاء الذين يخفون ويحاولون التدليس والتلبيس والتملص والخلط هؤلاء حجتهم داحضة عند ربهم، لأن الله أمرهم بالبيان وليس بالإخفاء والإغماض.
عباد الله: هذا الشيخ الذي قارب على الثمانين وهو يطوف في البلاد، لا يكاد يدع قرية أو بلدة إلا دخلها، ودخل معها علمه، فعقد المجالس، وشرح الكتب، وزار القضاة، وأهل العلم والوجهاء، وأجاب الدعوة، وذكّر في المجالس، يسأله الكبير والصغير، عفيفًا فتسأله النساء، وكان رحمه الله تعالى على ما أعطاه الله من هذه الذاكرة وهذا العلم والفهم متواضعًا ينقل عن بعض طلابه مسائل، ويسمع بعض أشرطتهم في الأسفار وهو معلمهم.
مات الحبيب وغاب النجم والقمر ... واستفحل الخطب فينا وانطوى الأثر
بموت شمس الهدي محيي شريعته ... بالعلم والفهم والتفسير يشتهر
يا ابن جبرين لا غابت مآثركم ... طابت مساعيك وازدانت بك السير
بحر العلوم وسمَْت الصالحين به ... كأنه البدر في الظلماء ينتشر
مات الإمام وماتت بعده حكم ... فمن لها بعدكم للحق ينتصر
لَكَمْ نبشتم علومًا في أكنتها ... ظلت زمانا على الأفهام تتستر
أحييتم سنن الهادي وسيرته ... ورثتم العلم لما كاد يندثر
كم قام في الليلة الظلماء مبتهلًا ... والناس في لهوها تلهو وتفتخر
ما زال يفتي ويلقي كل موعظة ... حتى دنى الموت والأنفاس تحتضر
يا لائمي في هوى المحبوب معذرةً ... فالعين تبكي أسًا والقلب يعتصر
في كل يوم مضى شيخًا نودعه ... فهل لنا في مدى الأيام معتبر
هي المنية من يبقى ستأخذه ... وهذ الدار لا تبقي ولا تذر
هي المنية قد حلت بساحتنا ... إذا دنت بغتة لا ينفع الحذر
يا شيخنا يا إمام العصر يا علمًا ... بفقدكم دمعة المشتاق تنهمر
قد عشت سمحًا عفيف النفس مبتهجًا ... فأرحل حميدًا فإن الأجر ينتظر