وكان أغلب هؤلاء يشدّون الرحال لأداء فريضة الحجّ بالدرجة الأولى, ولزيارة الأماكن المقدّسة في المشرق, وكثيرا ما كانت الرحلة تقترن بطلب العلم, ولقاء العلماء والأخذ عنهم, وفي كثير من الأحيان يجمعُ الرحّالة بين الأمور الثلاثة ؛ كما هو الحال عند كلّ من ابن رُشيْد الفهري السبتي (5) , ومحمد العبدريّ الحيحيّ (6) , وأبي القاسم التُّجَيبي (7) , وخالد بن عيسى البلويّ (8) .
ويلاحظ الباحث أنّ معظم الرحلات تتّجه من الغرب إلى الشرق, ولعلّ ذلك عائد إلى عوامل عدة, منها:
أ وجود الأماكن المقدّسة في المشرق, وثمّة مهد الحضارة ومهبط الوحي.
ب كثرة المركز الثقافية هناك, وتوافر أعدادٍ كثيرة من العلماء المشهورين الذين كانوا مقصدا لطلاب العلم من كل البقاع, ولما كانت تحتويه المدن المشرقيّة من مكتبات ومدارس عامرة بالكتب الجليلة والمصنفات العلمية النفيسة.
ولعل أهم الرحلات المغربية التي تركت أثرا أدبيا رحلةُ ابن رُشيْد المعروفة باسم"ملء العيبة بما جُمعَ بطولِ الغيبةِ في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكّة وطيبة".
صاحب الرحلة:
هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس بن سعيد بن مسعود بن حسين بن محمد بن عمر بن رُشيْد الفِهري السبتي (9) . ولد بمدينة سبتة بالمغرب الأقصى في شهر رمضان سنة (657هـ) في أوّل ولاية أبي يوسف يعقوب المرينيّ (ولي بين 656هـ و685هـ) , وتوفي بمدينة فاس في 22 محرم سنة (721هـ) , في أيام أبي سعيد عثمان المرينيّ (ولي بين 710هـ و 731هـ) .