والعبادة ـ أيها الحبيب ـ اسم جامعٌ لكلِّ ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة ، وهي التعبد لله تعالى بفعل أوامره ، واجتناب نواهيه وزاجره ، حبًا وخوفًا ورجاءً وذلَّةً .
فلا يُعبدُ إلاَّ الله تعالى ، ولا يُعبد سبحانه إلاَّ كما شرع عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن مقتضى هذه العبودية التي هي أشرف مقامات العبد ألاَّ يُصرف شيئًا من العبادات الشرعية لغير الله تعالى ، فتسوية غير الله تعالى مع الله عزَّ وجلَّ فيما هو من خصائص الله تعالى شركٌ لا يغفره الله تعالى ، ولا ينفع معه طاعةٌ أو عمل ٌ . قال تعالى: { إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيمًا } (1)
ومن مظاهر الشرك التي ذاعت وشاعت في ديار المسلمين هذه القبور والأضرحة والمزارات التي تُقصدُ وتعبد وتدعى وترجى وتخشى من دون الله تعالى ، ويُتمسَّحُ بأركانها ، وتُقبلُ جدرانها ، ويعكف الناس عليها باكين داعين متضرعين ، فتراهم ـ ويا للأسف ـ حول القبر ركعًا سجدًا ، يبتغون من الميت فضلًا ورضوانًا ، ولمصائبهم عِوضًا وسلوانًا ، وهم ـ ويا للحسرة ـ قد ملؤوا أكفَّهم خيبةً وخسرانًا ، وذلَّةً وخذلانًا . قال تعالى: { ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين } (2)
فإن تعجب ! فعجبٌ قولهم ، وغفلتهم عن ربهم وخالقهم ومولاهم الذي بيده مقاليد الأمور ، وتصريف الأحوال ، وتقدير ما كان ، وما سيكون ، وأمره بين (الكاف ) و (النون ) { إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون } (3)
(1) النساء:48
(2) الأحقاف: 5 ـ 6
(3) يس: 82