فهرس الكتاب
ذاع حديث فرقة تدعى"البطائحية" (1) وهي من الفرق المنتسبة للزهد والتصوف، ويوجد في بعضهم تعبد وتأله، ووجد ومحبة، ولين جانب وملاطفة في المخاطبة والمعاشرة والكشف والتصرف.. ونحو ذلك كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عنهم، وهي من فرق الضلالة التي لبَّست على الناس دينها، وافتتنَ بها كثير من العامة بسبب زعمهم أن لهم كرامات ليس لغيرهم! منها ملابستهم للنار والحيات، وإظهار الدم والزعفران وماء الورد والعسل والسكر.. يقول شيخ الإسلام:"وإن عامة ذلك- كراماتهم المزعومة- عن حيل معروفة وأسباب مصنوعة" (2) وكان لهؤلاء القوم منزلة ومكانة عند أمير بلادهم، وكان شيخ الإسلام شديد الانكار عليهم، ويُحذر العامة والخاصة من ضلالاتهم، فألَّبوا الأمير عليه وزينوا له أن يأمر شيخ الإسلام بالكفِّ عنهم، وأن يُسْلِم لهم حالهم، فأبى شيخ الإسلام ذلك، وقال:"هذا ما يمكن. لا بد لكلِّ أحدٍ أن يدخل تحت الكتاب والسنة قولًا وفعلًا، ومنْ خرج عنهما وجبَ الإنكار عليه" (3) . عندها طالبوا بمناظرة عامة بينهم وبين شيخ الإسلام بحضرة الأمير، فاقتنع الأمير بذلك ودار بينه وبين شيخ الإسلام حوار، ردَّ فيه رحمه الله على الأمير عندما قال له إن البطائحية يقولون إنك طلبت منهم الإمتحان فقال رحمه الله:"أنا ما امتحنت هؤلاء لكن هم يزعمون أن لهم أحوالًا يدخلون بها النار وأن أهل الشريعة لا يقدرون على ذلك، ويقولون لنا هذه الأحوال التي يعجز عنها أهل الشرع ليس لهم أن يعترضوا علينا، بل يسلم إلينا ما نحن عليه سواء وافق الشرع أو خالفه. فأنا استخرتُ الله سبحانه أنهم إن دخلوا النار أدخل أنا وهم ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة الله وكان مغلوبا، وذلك بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار، فقال الأمير ولم ذاك؟ قلت: لأنهم يطلون جسومهم بأدوية يصفونها من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج وحجر الطلعة وغير ذلك من الحيل المعروفة لهم، وأنا لا أطلي جلدي بشيء فإذا اغتسلت أنا وهم بالخل والماء الحار بطلت الحيلة وظهر الحق، فاستعظم الأمير هجومي على النار، وقال: أتفعل ذلك؟ ! فقلت له: نعم! قد استخرتُ الله في ذلك وأُلقي في قلبي أن افعل، ونحن لا نرى هذا"
(1) للإطلاع على كامل قصة شيخ الإسلام مع هذه الفرقة، انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية: (11/445) .
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية: (11/447) .
(3) البداية والنهاية: (14/38) ،دار الريان للتراث، الطبعة الأولى، 1408هـ 1988م.