فهرس الكتاب
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وكما أخبر الله أن الملائكة توحي إلى البشر ما توحيه، وإن كان البشر لا يشعر بأنه من الملك كما لا يشعر بالشيطان الموسوس" (1) . وقال رحمه الله:"وقد أخبر أنه - أي القرآن - روح تحيا به القلوب فقال: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا... } [الشورى:52] ، وإذا كان ما يوحيه إلى عباده تارة يكون بواسطة (2) ملك، وتارة بغير واسطة فهذا للمؤمنين كلهم مطلقًا لا يختص به الأنبياء، قال تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ } [القصص:7] وقال: { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ } [المائدة: 111] ، وإذا كان قد قال: { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ } [النحل: 68] فذكر أنه يوحي إليهم، فالى الإنسان أولى وقال: { وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا } [فصلت: 12] وقال: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } [الشمس: 7-8] فهو سبحانه يلهم الفجور والتقوى للنفس، والفجور يكون بواسطة الشيطان، وهو الهام وسواس، والتقوى بواسطة ملك، وهو إلهام وحي، هذا أمر بالفجور وهذا أمر بالتقوى، والأمر لا بد أن يقترن به خبر" (3) .
يقول الشاطبي رحمه الله:"إذا ثبت أن خوارق العادات بالنسبة إلى الأنبياء والأولياء كالعادات بالنسبة إلينا، فكما لو دلنا أمر عادي على نجاسة الماء أو غصبه لوجب علينا الاجتناب، فكذلك هنا، إذ لا فرق بين إخبار من عالم الغيب أو من عالم الشهادة، كما أنه لا فرق بين رؤيا البصر لوقوع النجاسة في الماء، ورؤيتها بعين الكشف الغيبي. فلابد أن يبنى الحكم على هذا كما يبنى على ذلك. ومن فرق بينهما فقد أبعد" (4)
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية: (17/530) .
(2) هكذا في الأصل في أكثر من موضع ولعل الصواب"بوساطة".
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية: (17/528-529) .
(4) الموافقات للشاطبي: (2/269) .