الصفحة 131 من 165

وفي احدى معارك سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - حال بينهم وبين عدوهم نهر دجلة العظيم، فهاب سعد أن يقطع النهر بجنده وطال الحصار، فرأى رؤيا أنّ خيول المسلمين اقتحمتها فعبرت، وقد أقبلت من المدِّ بأمر عظيم، فعزم لتأويل رؤياه على العبور، فجمع سعد الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال:"إنَّ عدوَّكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليه معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا فَيُنَاوشُونَكُم في سفنهم، وليس وراءكم شئ تخافون أن تؤتوا منه، فقد كفاكموهم أهل الأيام، وعطّلوا ثغورهم وأفنوا ذادتهم، وقد رأيت من الرأى أن تبادروا جهاد العدوِّ بنِّياتكم قبل أن تحصركم الدُّنيا. ألا إنِّي قد عزمتُ على قطع هذا البحر إليهم. فقالوا جميعا: عزمَ اللهُ لنا ولك على الرُّشد فافعل"... ولما رأى تجهُّز الجيش للعبور أمرهم سعد أن يقولوا:"نستعين بالله ونتوكًّل عليه حسبنا الله ونعم الوكيل لا حول ولا قوة إلا بالله العليُّ العظيم! وتلاحق عظم الجند فركبوا اللُّجَّة وإنَّ دجلة لترمى بالزَّبد وإنها لمسودة إنّ الناس ليتحدَّثون في عومهم وقد اقتربوا ما يكترثون كما يتحدَّثون في مسيرهم على الأرض ففجئوا أهل فارس بأمر لم يكن في حسابهم فأجهضوهم وأعجلوهم عن جمهور أموالهم ودخلها المسلمون في صفر سنة ست عشرة واستولوا على ذلك كُلِّه مما بقى في بيوت كسرى من الثلاثة آلاف ألف ألف ومما جمع شيرى ومن بعده" (1) .

الفصل الثاني

إمكانية عدم وقوع الاحتجاب:

عن عبد اللّه بن عمرو - رضي الله عنه - ، قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -:"ما مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلاَّ كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ. وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تخْفِقُ وَتُصَابُ إلاَّ تَمَّ أُجُورُهُمْ" (2) .

الإبتلاء سنة ربانية، فالواجب على العبد إذا قَدَّر اللهُ عليه ولم يقع الاحتجاب، أن يكون من الصابرين ولا يجزع، بل يجب عليه التضرع إلى الله والدعاء بأن يُفرِّج الله همَّه وينفس كربه، وليعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه.

(1) تاريخ الطبري. فتوح الشام: (1/200) ، للواقدي، دار الكتب العلمية.

(2) صحيح مسلم رقم: (4926) ، كتاب الإمارة، باب بيان من غزا فغنم ومن لم يغنم دار السلام.صحيح الجامع رقم: (5746)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت