الصفحة 149 من 165

يقول شيخ الإسلام ابن تيمة رحمه الله:"فإذا أحاط المرء علمًا بما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الجهاد الذي يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة، وبما نهى عنه من إعانة الظلمة على ظلهم: علم أن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض جهاد من يستحق الجهاد كهؤلاء القوم المسؤول عنهم - التتار- ، مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك... وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديمًا وحديثًا. وهي واجبة على كل مكلَّف. وهي متوسطة بين طريق الحرورية (1) وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشيء عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقًا وإن لم يكونوا أبرارًا. ونسأل الله أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحبه ويرضاه من القول والعمل." (2) . ومما يدل على أن خطأ المجاهدين مغفور شرعًا وإن ترتب عليه ما ترتب ما أجمع عليه الصحابة الكرام يقول ابن القيم رحمه الله:"وأجمع أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هَدَر في قتالهم في الفتنة، قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم متوافرون، فأجمعوا على أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدر، أنزلوهم منزلة الجاهلية، ولم يؤاخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين رَمَى حاطِبَ بن أبي بَلْتعة المؤمن البدري بالنفاق لأجل التأويل، ولم يؤاخذ أسيد بن حضير بقوله لسعد سيد الخزرج:"إنك منافق تجادل عن المنافقين"لأجل التأويل، ولم يؤاخذ من قال عن مالك بن الدخشم:"ذلك المنافق نرى وجهه وحديثه إلى المنافقين"لأجل التأويل، ولم يؤاخذ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين ضرب صدر أبي هريرة - رضي الله عنه - حتى وقع على الأرض وقد ذهب للتبليغ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمره فمنعه عمر وضربه وقال:"ارجع"وأقره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فعله، ولم يؤاخذه لأجل التأويل" (3) .

(1) أي الخوارج.

(2) مجموع فتاوى ابن تيمية: (28/507-508) .

(3) إعلام الموقعين: (2/382) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت