الصفحة 1 من 13

الشيخ محمد صالح المنجد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد ..

فإن الاعتبار والاتعاظ مما أراده الله تعالى من الناس مما يقدّر الله عز وجل في هذه الدنيا من أحداث فيها عبر بالغة، ويجري من الأقدار ما فيه من الحكم العظيمة، والدروس لعباده من أولي الألباب، الذي يعقلون، وكثيرًا ما تأتي الآيات القرآنية بعد الأحداث العظيمة آمرة المؤمنين بأخذ العبرة والاتعاظ، ففي أعقاب غزوة بدر قال الله تعالى: {َقدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَايَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} (آل عمران: من الآية13) .

وفي أعقاب إجلاء يهود بني نضير ورحيلهم بعد حصارهم، وهزيمتهم بعد خيانتهم قال تعالى: {هوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} (الحشر: من الآية2) .

بعد تلك الأحداث قال: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} ، ومن سبب مجيء الأمر بالاعتبار بعد الأحداث العظام مباشرة أن القلوب تكون متهيئة، والنفوس تكون صالحة ومنفتحة للاعتبار وأخذ العظة والتأثر والاستفادة، وأن مما جرى من أقدار الله العظيمة في أرض فلسطين؛ تلك المواجهة وذلك العدوان الذي حصل من إخوان القردة والخنازير، من هؤلاء اليهود الأمة الغضبية الملعونة على المسلمين , وكانت محنةً عظيمةً وحربًا شديدةً، وكان فيها من الفوائد والدروس والعبر لمن نظر، وما أنفعها لمن اعتبر، والعظة نوعان، عظة بالمسموع وعظة بالمشهود، وقد اجتمع الأمران في تلك الأحداث، فإن هذه الوسائل التي نقلت الصوت والصورة؛ بحيث صار الناس كأنهم في مسرح الأحداث، يسمعون ويرون، وإذا كان المسلم يتعظ بما أنزل الله من الكتاب، وما يسمعه من الآيات، ويتعظ بما يشاهده من مخلوقاته - سبحانه وتعالى - وأحكام قدره ومجاريه وما يشهده العالم من مواقع العبر، فلا بد أن يكون للإنسان مع مثل هذه الأحداث وقفات كثيرة، يزداد فيها يقينه، ويقوي فيها إيمانه، ويعتبر فيها لمستقبله، ويتبّصر في هذه الحال الذي نعيش فيه وهذا الواقع الموجود، كيف يُجري الله أقداره، يتلمس الحكم في هذه الأحوال، والله سبحانه وتعالى قد أخبرنا في كتابه عن عداوة هؤلاء للمؤمنين، فقال عز وجل {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ} (المائدة: من الآية82) ، وبالفعل، من رأى قصفهم وإجرامهم وتقتيلهم وعدوانهم، رأى انطباق الآية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت