فهرس الكتاب
من خلق فقد اعترف بربّه، كأنّه -تعالى- قال: من أستمر عليه لو زاد زيد في كرامته، ومن رجع عنه أزيل عنه اثر الكرامة" [1] ."
فالتفاضل في الإسلام إنما هو بزيادة التقوى، وفي الحديث القدسي:"إذا كان يوم القيامة، يقول الله -عز وجل-:إنكم جعلتم لأنفسكم نسبًا، وجعلتُ لنفسي نَسبًا، فَرفعتُم نَسبكُم ووضَعتُم نسَبي، فاليومَ أَرفَعُ نسَبي، وأَضعُ نَسبكُم، يعني، قلت: إن أكرمكَم عند الله"
أتقاكُم، وقلتُم أنتُم: فلانٌ وفلان" [2] ."
أما آية العلق فقد انفردت باسم التفضيل المقرون بـ (أل) وهو الأكرم، ولقد كشف الزمخشري عن دلالة الأكرم على التفضيل قائلًا:"الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كرم" [3] ، ثم بيّن وجه تلك الزيادة بقوله:"ينعِمُ على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم النعمة وركوبهم المناهي وإطراحهم الأوامر، ويقبل توبتهم، ويتجاوز عنهم بعد اقترافهم العظائم، فما لكرمه غاية ولا أمد" [4] ، وبهذا تقترب الدلالة المعجمية للمفردة مما جاء في سياق الآية، كما ساق الفخر الرازي وجوهًا أربعة [5] ... في بيان أكرميته التي دلّ عليها اسم التفضيل وهي:
1.أن الله -تعالى- يزيد في إحسانه بعد الجناية، وغيره لا يبقى على الوجه الذي كان قبل الجناية.
2.أنه -تعالى- يكرم لمحض الكرم، وغيره يُكرم لجلب منفعة، أو لدفع مفسدة.
3.أن له الابتداء في كل كرم وإحسان.
4.أن كرمه غير مشوب بتقصير، فهو يجازي بكل حرف عشرًا.
يلاحظ أن اسم التفضيل المقرون بـ (أل) يفيد من الإطلاق والعموم ما لا تفيده الصيغة نفسها من المفاضلة مقيدة بالمضاف إليها لا تتجاوزه ولا تعدوه إلى غيره [6] .
ومن المفسرين من يجعل الأكرم بمعنى: الكريم [7] ، ولعلهم رأوا أنّه لا وجه للمقارنة بين كرم الله -تعالى- وكرم عباده، والواقع أن مجيء الوصف هنا بـ الأكرم بدلًا من أي صفة أخرى، لما في هذه الصفة من تلاؤم للسياق، ما لا يناسب مكانها غيرها، لعظم العطاء وجزيل المنة، ولو أراد الكريم لقاله.
(1) التفسير الكبير: 28/ 115.
(2) تفسير السمرقندي: 3/ 266.
(3) الكشاف: 1212.
(4) م. ن: 1212.
(5) ينظر: التفسير الكبير: 11/ 218.
(6) ينظر: التفسير البياني: 1/ 22.
(7) ينظر: زاد المسير: 1568 والجامع لأحكام القرآن: 20/ 81.