فهرس الكتاب
هي التعارف والتناصر لا التناكر والتفاخر، وإن كان لابدّ من تفاوت وتفاخر فإنما يحصل بالتقوى والقرب من الله -تعالى- [1] .
وفي قوله -تعالى- ذكره: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} وجهان [2] .
أحدهما: أن المراد: من يكون أتقى يكون عند الله أكرم، أي: التقوى تفيد الإكرام.
ثانيهما: أن المراد من يكون أكرم عند الله يكون أتقى، أي: الإكرام يورث التقوى، والأول أشهر والثاني أظهر، يقال: ألذّ الأطعمة أحلاها، أي: اللذّة بقدر الحلاوة لا أن الحلاوة بقدر اللذّة، ويدور ههنا في فلك الذهن سؤال، وهو: لمَ استعمل (أكرمكم) دون غيره مما يدل على المفاضلة، نحو: أحسنكم أو أحبكم وأمثالهما؟ ولعل السبب في ذلك هو أن أهل اللغة قد ذكروا في المعاني المعجمية للجذر (كرم) أن الكريم: اسم جامع لكل ما يحمد، لذا فان أي معنى يفتخر به المفتخر يكون داخلًا تحت لفظ الأكرم الذي لا ينال إلا بالتقوى، فلا يبقى لأحد عذرًا في تركها والافتخار بغيرها، لذا قال: أكرمكم ولم يقل: أجملكم أو أكثركم عملًا أو قولًا وما أشبه ذلك.
كما أن استعمال أكرم بوزن أفعل التفضيل دون غيره من الأسماء كوزن الفاعل، إنما هو لفائدة عظيمة وهي: أن مراتب التقوى والتكريم متفاوتة، وما بين أدنى تلك المراتب وأعلاها ما لا يعدّ ولا يحصى من الدرجات، لكنّ المؤمنين مع ذلك يشتركون في أصل التقوى والإكرام مع التفاوت فيهما زيادة أو نقصًا، وللتفضيل بين المؤمنين في هذه المراتب غير المحصورة جيء باسم التفضيل أكرم وأتقى للدلالة على هذا الاشتراك والزيادة غير المحددة، والحاصلة بأدنى اشتراك.
وإضافة أكرم إلى كاف المخاطبين وهو معرفة أفادت تعريفه، وهي إضافة معنوية؛ لأن أكرم وقع منصوبًا بـ (إن) على أنه اسمها، فهو من المبتدأ والمبتدأ لا يكون إلاّ معرفة، وكذلك أتقى، وفي هذه الإضافة عند بعض المفسرين أشكال؛ لأنّ الخطاب موجه من الله - تعالى - إلى الناس جميعًا، وهذا يعني أن اسم التفضيل يدل على اشتراكهم جميعًا في أصل التكريم، وههنا الأشكال، فليس للكافر كرامة حتى يكون المؤمن أكرم منه، وللجواب عنه قال الفخر الرازي:"ذلك غير لازم مع أنه حاصل بدليل قوله -تعالى-: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [3] لأنّ كل"
(1) ينظر: الكشاف: 1041 والتفسير الكبير: 28/ 113 - 114.
(2) ينظر: التفسير الكبير: 28/ 114.
(3) الإسراء: 70.