الصفحة 177 من 206

التفضيل أوسط يبنى من الوَسَط لانّه ما يضاف إليه وهو شرطه، ولا يبنى من الوسط لانّه ليس بعض ما يضاف إليه، ولانّ معناه غير قابل للتفاوت أي: الزيادة والنقص.

أما في القرآن الكريم فقد ورد اسم التفضيل أوسط بدلالتين:

إحداهما: بمعنى: أقصد وأعدل، وذلك في قوله -تعالى-: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [1] أي: من أقصده؛ لانّ منهم من يسرف ومنهم من يقتر [2] ، فيكون المراد بقوله: أوسط في القلة والكثرة، أي: أطعموهم مما تطعمون أهليكم لا من أعلاه وأفضله، ولا من أدناه وأخسه [3] . ويحتمل أن يكون المراد: التوسط في القيمة، فلا يكون غاليًا ولا رخيصًا، أو يكون المراد: الأوسط في الطيب واللذاذة [4] .

الثانية: أوسط بمعنى: أفضل وأعدل، قال -تعالى-: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ} [5] وأوسطهم"أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم" [6] ، وقوله -تعالى-: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [7] أي: الفضلى، والوسطى تأنيث الأوسط، بمعنى: الأخير والأعدل.

وقيل: الوسطية في المقدار، أي: في عدد الركعات، فتكون المغرب؛ لأنها بين الثنائية والرباعية، أو في عدد الصلوات فتكون العصر؛ لانّ قبلها صلاتان وبعدها صلاتان أيضا أو الوسطيّة في الزمن فتكون الصبح؛ لانّ قبلها صلاتان في الليل، وبعدها صلاتان في النهار [8] ، فالوسطيّة على هذا في الترتيب، وذهب أبو حيان الأندلسي إلى أن أفعل التفضيل لا يبنى إلاّ مما يقبل الزيادة أو النقص، فكل ما لا يقبل الزيادة ولا النقص لا يبنى منه، ألا ترى أنك لا تقول: زيد أموت الناس؟ فإذا تقرر هذا فكون الشيء وسطًا بين شيئين لا يقبل الزيادة والنقص، فلا يجوز أن يبنى منه أفعل التفضيل لانّه لا تفاضل فيه، فتعين أن تكون الوسطى،

(1) المائدة: 89.

(2) الكشاف: 307.

(3) ينظر: جامع البيان: 7/ 23 وفتح القدير: 2/ 101.

(4) ينظر: التفسير الكبير: 4/ 420.

(5) القلم: 28.

(6) الجامع لأحكام القرآن: 18/ 159.

(7) البقرة: 238.

(8) ينظر: المحرر الوجيز: 215 - 216.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت