والآخر: الجشع، أما الجشع والإفراط في الرغبة، فيقال: حرص إذا جشع يحرص حرصًا" [1] ، فالحرص لا يدل على الرغبة فحسب، بل يدل على فرط الإرادة والشره إلى المطلوب، من ذلك قوله - تعالى-: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ} [2] ، أي: إن تفرط إرادتك في هدايتهم [3] ، فالفعل (حرص) في نفسه يدل على فرط الرغبة، فكيف لو قلنا: حريص؟ إلى أين سترتقي الزيادة في أحرص؟"والحرصة: مستقر وسط كل شيء كالعرصة" [4] وأصل ذلك كله من حرص القصار الثوب إذا قشره بدقة، والحارصة: شجة تقشر الجلد، والحارصة والحريصة: سحابة تقشر وجه الأرض بمطرها [5] ."
أما في القرآن الكريم فقد ورد أحرص للمفاضلة في شدة الجشع وفرط الرغبة على الحياة، وذلك في قوله - عزّ وجلّ: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أحرصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أشركوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ ألف سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [6] . أي: لتجدن يا محمد اليهود في حالة دعائهم إلى تمني الموت، أحرص الناس على حياة [7] ، ولم يقل - سبحانه: ولتجدنهم أشد الناس حرصًا على حياة، كما جاء في بيان عداوتهم للمؤمنين من قوله - تعالى-: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليهودَ} [8] لأن أحرص - في نفسه - يدل على فرط الرغبة والإرادة، فلا حاجة بعد ذلك تدعو إلى استعمال ما يدل على فرط رغبتهم وجشعهم كـ (اشد) .
وأحرص في الآية جاء مضافًا إلى المفضل عليه وهو (الناس) ، واسم التفضيل إذا أضيف إلى معرفة، وأريد به التفضيل جاز له أن يطابق [9] موصوفه؛ لشبهه بالمعرف بـ (أل) ،
(1) مقاييس اللغة: 2/ 40.
(2) النحل: 37.
(3) ينظر: لسان العرب: 1/ 609.
(4) العين: 3/ 116.
(5) ينظر: الصحاح: 3/ 1032، المفردات: 112.
(6) البقرة: 96.
(7) ينظر: جامع البيان: 1/ 492 وزاد المسير في علم التفسير: ابن الجوزي:76
(8) المائدة: 82.
(9) (*) المطابقة: تعني أن يوافق اسم التفضيل موصوفه (المفضل) في العدد (إفرادا وتثنية وجمعا) وفي الجنس (تذكيرا وتأنيثا) . ينظر: النحو الوافي: 3/ 417.