الصفحة 36 من 206

في الآية مع تفاوت النصيب بينهما، ووجود الزيادة في أحدهما وحده، لذلك أوّل القرطبي أحب بمعنى"أسهل علي أهون من الوقوع في المعصية" [1] ، وبهذا يضمنون الاشتراك بين المتفاضلين في الصفة الواردة، يدفعهم إلى هذا التأويل الأخذ بالحالة الأولى من أحوال اشتراك الصفة المذكورة سابقًا، لإيمانهم بوجوب الاشتراك بين المتفاضلين في الصفة وهو السبب نفسه الذي دعا أبا حيان إلى القول بان"أحب هنا ليست على بابها من التفضيل، لأنه لم يحب ما يدعونه إليه قط، وإنما هذان شران فآثر أحد الشرين على الآخر" [2] ، وهذا تأويل آخر يؤكد ما ذكرنا من إيمان أكثر المفسرين بوجوب الاشتراك عند إرادة التفضيل بين المفضل والمفضل عليه، فمعنى أحب في الآية على هذا التأويل: السجن اقل شرًا مما يدعونني إليه، فإذا كان لا بد من اختيار أحدهما فالأقل شرًا آثر.

ونزولًا عند هذا القيد يمكن القول: أن السجن بوصفه مكانًا، والزنا بوصفه لذة، بصرف النظر عما يستعقبهما ويتعلق بهما من ألم وشرور، يشتركان في صفة الحب، فلما كان الأول منجيًا من الصبو إليهن، فهو أولى، فعظمت الفاحشة عنده حتى صار يرى أشد الأشياء مشقة وكربًا، أهون الأشياء وأحبها إلى قلبه قياسًا إلى المعصية.

ولكن ماذا لو وضع (أبغض) ، وهو مما يشترك فيه المتفاضلان بدلًا عن أحب؟ أما كان لِيفسد معنى الآية؟ إذ التقدير - وهو مخير:رب ما يدعونني إليه أبغض إليّ من

السجن، وعلامة فساد المعنى، أنه لا يدل على رفض طلبهن، فإطلاق الحكم بزيادة البغض لما يدعونه إليه على السجن، لا يدل على اختياره للسجن، فكم هي الأمور التي تكون أبغض الأشياء إلينا، ونكون أسرع الناس إليها؟ كما أن ضعف التركيب، وركاكة التعبير،

لا تخفى على من تذوق معاني القرآن، ولامسَ مفرداته. وهو أيضا يشعر بضعف إيمانه وفتوره حاشاه من ذلك، كيف ذاك وقد ثبتت قدماه على منبر الطهر والعفة؟ فهل نجد أحدًا بعد ذلك يجيء بلفظ أحسن من أحب.

أحرَصُ:

"الحاء والراء والصاد أصلان:"

أحدهما: الشق،

(1) الجامع لأحكام القرآن: 9/ 121.

(2) البحر المحيط: 5/ 306.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت