أصل الوصف، ذلك أن الصفة التي يقوم عليها التفضيل تنقسم - من حيث وجودها في الطرفين المتفاضلين وعدمه - على حالات ثلاث:
الحالة الأولى: أن تكون الصفة مشتركة بين المتفاضلين معًا، كقوله - تعالى-: {أَنْ تَكُونَ أمة هِيَ أَرْبَى مِنْ أمة} [1] ، جاء في الهمع:"ولا يخلو افعل التفضيل المجرد من (أل) والإضافة والمقرون بـ من من مشاركة المفضل في المعنى غالبًا ولو تقديرًا، فإذا قيل: سيبويه أنحى من الكسائي، فالكسائي مشارك لسيبويه في النحو، وإن كان سيبويه قد زاد عليه في النحو" [2] .
الحالة الثانية: أن تكون الصفة في أحدهما دون الآخر، كقولنا: الجنة احب إليّ من النار، والعافية احب إليّ من البلاء، فنحن نحب الجنة والعافية، ولا نحب النار ولا البلاء، بل نكرههما، فصفة المحبة هنا جاءت مناقضة لصفتهما وهي البغض، ومثل ذلك قوله- تعالى-: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [3] فصفة الخيرية في المن والسلوى دون البقول.
الحالة الثالثة: وهي أن لا يكون للصفة التي قام عليها التفضيل اشتراك بين المتفاضلين، ولا وجود في أحدهما كقوله - تعالى-: {السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إليه} فليس في السجن ولا فيما يدعونه إليه من الفاحشة والمعصية آيّة شركة في صفة المحبة؛ لذلك أوّل الرازي الآية بقوله:"أن تلك اللذة كانت تستعقب آلامًا عظيمة، وهي الّلوم في"
الدنيا، والعقاب في الآخرة، وذلك المكروه، وهو اختيار السجن، كان يستعقب سعادات عظيمة، وهي: المدح في الدنيا، والثواب الدائم في الآخرة" [4] ، فاستعمل أحب نظرًا إلى العاقبة، لا إلى ما تشتهيه النفس وتكرهه، فاختار يوسف الصبر في السجن مع ما فيه من المشقة والشدة، بوصفه مخلصًا من الذنب ومستوجبًا لرضى الرب."
فالمشاركة بين السجن وما يدعونه إليه في صفة المحبة مشاركة تقديرية [5] ، فليس في نفس المتكلم قدر مشترك من الحب للسجن أو للفاحشة، وإنما القدر المشترك هو البغض والكره، اللذان يضادان الحب، فالاشتراك إنما هو في أمر مضاد في معناه لمعنى (الحب) المذكور
(1) النحل: 92.
(2) الهمع: 2/ 104.
(3) البقرة: 61.
(4) التفسير الكبير: 6/ 451 - 452.
(5) ينظر: ارتشاف الضرب: 3/ 227.