ففي الأول قوله - تعالى-: {لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا مِنَّا} [1] وفي الثاني قوله - تعالى-: {قُلْ إِنْ كَانَ آباؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ - إلى قوله - عزّ وجلّ - أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ} [2] وقد لزم الإفراد والتذكير مع انه اسند في الآية الأولى إلى مثنى، وفي الثانية إلى جمع؛ لأنه ورد مجردًا من (أل) والإضافة مقترنًا بـ من التفضيلية جارة المفضول. وعُدّي بحرف الجر (إلى) ؛ لأن اسم التفضيل إذا كان من مصدر فعل متعد بنفسه، دال على الحب أو البغض أو بمعناهما، فإنه يعدى إلى الفاعل معنى بـ (إلى) نحو: يوسف أحبّ إلى أبيه من غيره، ويعدى إلى المفعول معنى بـ (اللام) ، نحو: يوسف أحب لأبيه من غيره [3] .
ودلالة أحب على التفضيل في الآيتين المذكورتين واضحة، فهو في الآية الأولى يدل على أن يعقوب كان يحب جميع أبنائه، لكنه كان يفضل يوسف وأخاه عليهم بزيادة محبته لهما. أما آية التوبة، وهي كما قال الزمخشري:"تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين، واضطراب حبل اليقين" [4] فمعنى التفضيل فيها، قل: إن كانت هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربصوا بما تحبون حتى يأتي الله بعقوبة عاجلة أو آجله [5] .
الثانية: للدلالة على المشاركة التقديرية، التي لا تصح إلا بتأويل أحب وذلك في المفاضلة بين البغيضين، وهما السجن والمعصية، في قوله - عزّ وجلّ: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إليه وإلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إليهنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ [6] . فقوله: السِّجْنُ أَحَبُّ} قيل: هو على حذف مضاف، أي: نزول السجن، أو الحبس فيه، والعرب تضع الأماكن المشتقة من الأفعال مواضع الأفعال، فتقول: طلعت الشمس مطلعا [7] .
وتأويل الآية: دعا يوسف ربه متضرعًا إليه مفضلًا الحبس في السجن، على أن يفعل ما يدعونه إليه من الفاحشة والمعصية، فليس في أحدهما استحباب حقيقة، ولا اشتراك في
(1) يوسف: 8.
(2) التوبة: 24.
(3) ينظر: شرح الكافية الشافية: 1144.
(4) الكشاف: 427.
(5) ينظر: التفسير الكبير: الفخر الرازي: 6/ 17.
(6) يوسف: 33.
(7) ينظر: معاني القرآن وإعرابه: 3/ 88 وجامع البيان عن تأويل آي القرآن: الطبري: 12/ 251.