الصفحة 77 من 206

وورد المفضل في الآية الأولى (الصم والبكم) مجموعًا، وبقي لفظ التفضيل مفردًا مذكرًا؛"لأن شرًا يراد به الكثرة، فجمع الخبر على المعنى، ولو قال (الأصم) لكان الإفراد على اللفظ والمعنى على الجمع" [1] ، فقد أجاز الفراء بقاء اسم التفضيل مفردًا مذكرًا، إذا كان المضاف إليه معرفًا بـ (أل) ولو ورد مجموعًا [2] .

وهنا نسأل: هل في الدواب شر، حتى يقال: هم شر منها؟

لم يفصّل المفسرون القول في هذا الإشكال، ولم يبينوا سبيل الخلاص منه، فقد يكون معنى التفضيل في الآية: إن شر الصم البكم من الدواب التي لا تسمع إلا أصواتا مبهمة، وتنطق بما لا يفهم، على تقدير أن ذلك فيها شر، فهي تدبر شؤون حياتها الضرورية

غريزة، وتملك استعدادت فطرية محددة تتناسب وحياتها اليسيرة، وهي تسَبح وتسجد وتنقاد لله - تعالى- فهي معذورة حين توصف بالصمم والبكم؛ لأنها خلقت على هيئة تمنعها من أن تسمع وتتكلم بما ينفعها، لكن هؤلاء الدواب، لا يعذرون في ذلك لأنهم خلقوا، ولديهم القدرة على سماع الحق واتباعه، واجتناب الباطل، والكلام بما يعود للنفع على المتكلم وغيره وبما يدفع الضرر عنه، والتعبير عما تجوش به خلجات النفس رغبة أو رهبة، مع طاقات بشرية هائلة، واستعدادات فطرية لا محدودة، تتماشى والحياة المعقدة، لكنهم بكفرهم عطلوا تلك الاستعدادات والقدرات فصاروا كما قال - تعالى-: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [3] بل هم شر منها؛ لأنهم فقدوا فوق ذلك أهم ما يميز البشر من غيره إلا وهو العقل فقال - تعالى-: {الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} قال أبو السعود:"الصم: الذين لا يسمعون الحق البكم الذين لا ينطقون به، ثم وصفوا بعدم التعقل، فقيل: (الذين لا يعقلون) تحقيقًا لكمال سوء حالهم ... وبذلك يظهر كونهم شرًا من البهائم حيث أبطلوا ما به يمتازون عنها وبه يفضلون على كثير من خلق الله - عزّ وجلّ - فصاروا أخس من كل خسيس" [4] .

وأختلف في المراد بالمفضل عليه (الدواب) فقيل: هم الناس، وقيل: شر ما دب على الأرض من خلق الله، أو شر الحيوان أو البهائم [5] ، قال الزمخشري:"جعلهم من جنس البهائم"

(1) إملاء ما من به الرحمن: 2/ 5.

(2) ينظر: معاني القرآن: 3/ 268.

(3) محمد: 12.

(4) إرشاد العقل السليم: 3/ 90 - 91.

(5) ينظر: تفسير السمرقندي: 2/ 12 وجامع البيان: 29/ 248 والبحر المحيط: 4/ 474.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت