فهرس الكتاب
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله .. أما بعد ، اعلم رحمك الله تعالى أَنَّ أهل التوحيد يوم القيامة على ثلاث طبقات: قوم رَجَحَت حسناتهم سيئاتهم يدخلون الجنة ولا تمسهم النار أبدًا، وقوم تساوت حسناتُهم وسيئاتُهم، وهؤلاء أصحاب الأعراف الذين ذُكِروا في سورة الأعراف، يقفون بين الجنة والنار؛ حتى يأذن الله لهم بدخول الجنة، وقومٌ لَقُوا الله مصرين على كبائر الإثم والفواحش، ومعهم أصل التوحيد والإيمان، فَرَجَحَت سيئاتهم حسناتهم فهؤلاء يدخلون النار بقدر ذنوبهم، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه؛ حتى إن منهم من لم يُحِّرم الله منه على النار إلا أثر السجود، وهذه الطبقة هم الذين يأذن الله تعالى في الشفاعة فيهم لنبيه صلى الله عليه وسلم ولغيره من الأنبياء والأولياء والملائكة، ومن شاء الله أن يكرمه، فيَخرُجُ من النار من كان في قلبه مثقال وزن دينار من خير، ثم وزن نصف دينار من خير، ثم وزن بُرَّة من خير، ثم وزن ذرة من خير، إلى أدنى من مثقال ذرة من خير، إلى أن يقول الشفعاء: ربنا لم نذر فيها أحدًا فيه خير، ولن يَخْلُد فيها أحدٌ مات على التوحيد، ولكن من كان منهم أعظم إيمانا وأخف ذنبًا؛ كان أخفَّ عذابًا في النار، وأقلَّ مُكثًا فيها، وأسرعَ خروجًا منها، ولكن مع هذا فقد يغفر الله لمن شاء من عباده.
قال تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) } [فاطر: 32] .