المبحث الأول
المصطلح النحوي
مفهومه في اللغة والاصطلاح
-في المفهوم اللغوي: أخذت كلمة المصطلح من أصل المادة: (((صلح) ، والصلحُ: تصالح القوم بينهم، والصلح: السلم، قد اصطلحوا وصالحوا واصلحوا وتصالحوا وأصالحوا ... بمعنى واحد )) (1) .
-أما في المفهوم الإصطلاحي: فالمصطلحات ألفاظ مقررة تشبه الحدود وعلامات الطريق (2) ، لها معانٍ يفهمها الناس، ومعانٍ أُخر لا يفهمها إلاّ أهل ذلك العلم الذي تنسب إليه (3) وتنجم عن اتفاق إن تم بين جماعة المُحدثين تفتق عنه مصطلح في الحديث، وإن قام بين جماعة الفقهاء نتج عنه مصطلح في الفقه، وإن كان بين جماعة النحاة كان المصطلح النحوي (4) .
وتدل بعض المصطلحات على معانٍ تختلف باختلاف العلوم، فمصطلح (الخبر) (5) ـ على سبيل المثال لا الحصرـ له معنى عند النحويين، وآخر عند المحدثين وثالث عند البلاغيين، كما أن الاختلاف في دلالة المصطلح يكون بين النحاة أنفسهم بسبب مناهجهم العلمية ومدارسهم المختلفة (6) .
نشأة المصطلح النحوي وتطوره
لم يعرف العرب من أمر المصطلحات النحوية شيئًا قبل وضع قواعد اللغة ونحوها، وإن كانوا ينطقون اللغة ويفهمونها بدقة، ويؤكد ذلك ما يفهم من قول الأصمعي ت (216هـ) : قلت لأعرابي: أَتهمز اسرائيل؟ قال: إني إذن لرجلُ سوءٍ، قلت: أَفَتجر فلسطين؟ قال: إني إذًا لرجل قويّ.
فهذا الأعرابي لم يفهم من الهمز إلاّ العيبَ والشتمَ، لذا أبى أن يكون عَيَّابًا؛ لأن ذلك من سمات سوء الخلق، ولم يفهم من الجرّ إلاّ السحبَ ... أما الهمزُ بمعنى النطق بالهمز والجرّ بمعنى الإتيان بالحركة المخصصة، فهو أبعد ما يكون عن ذهنه وتفكيره (7) ، أي انه لم يعرف المصطلح النحوي بمعناه واستعماله الاصطلاحي.
ونخلص من هذا إلى أن العربي استعمل المصطلحات النحوية على الرغم من جهله بخصوصياتها، وهذا الأمر يجعلنا نقول بعدم إمكانية تحديد تأريخ لنشأة كل مصطلح من المصطلحات النحوية تحديدًا دقيقًا؛ لأن هذا التاريخ يحيط به الاضطراب وعدم ثبات المصطلح، لكن الواضح أن هذه المصطلحات قد سايرت نشأة النحو (8) ، وبدأت كما بدأت العلة والقياس، وكما بدأت فكرة النحو وطريقة تناوله ساذجةً طبيعيةً في أول الأمر، فوضعت بذورها في أوراق النحو التي وضعها أبو الأسود الدؤلي ت (69هـ) (9) . لكنها ما لبثتْ بمضي الزمن وطول العهد ومتابعة الدراسة أن وقفت على قدميها، وأن أخذت أسماء ثابتة وألفاظًا خاصةً لازمتها وعاشت معها (10) .