الصفحة 11 من 22

هذا هو صنيع الأئمة النقاد، يعتبرون من القرائن و العلامات على صدق الراوي، واتصال سنده ما يجعل نظرهم ثاقبا دقيقا.

وقد وصل الحديث البيهقي في"سننه" {99/2} فقال:"أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه أنبأ محمد بن حيان ثنا محمد بن يحي ثنا أبو كريب ثنا محمد بن حجر أنا سعيد بن عبد الجبار بن وائل عن أمه عن وائل بن حجر قال:"صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سجد وكان أول ما وصل إلى الأرض ركبتاه""

و هذا الحديث و إن كان في سنده مقال لاختلافهم في محمد بن حجر بن عبد الجبار وعمه سعيد بن عبد الجبار ، فإن مداره على آل وائل ـ رضي الله عنه ـ

وعليه،فإن مجرد إعلال الحديث بالانقطاع بين عبد الجبار بن وائل و أبيه ، ضعيف و قاصر عن الارتقاء إلى كونه علة قادحة في الحديث، والله أعلم.

و إذا تمّ هذا ، على هذا النسق، وبدون التطرق إلى الشواهد التي سنذكرها في آخر البحث، وبخاصة الموقوفة منها، ألا يمكن القول:إن هذه الطرق ـ بغض النظر عن طريق إسرائيل بن يونس ـ فإن الشيخ الألباني لا يسلم بهاـ تكسب بعضها البعض قوة ومتانة ، وقد قال أئمة الحديث بتقوية الحديث بمجموع طرقه، وقيدوا ذلك بما إذا كان ضعف الرواة في مختلف الطرق ناشئا من سوء حفظهم ،لا من تهمة في دينهم وصدقهم، وإلا فإنه لا يتقوى مهما كثرت طرقه، كما قيدوا كذلك بأن لا تكون العلة هي نفسها في جميع الطرق.

و هذا الحديث أعني حديث شريك قد جاء من طرق عديدة ، عللها مختلفة ، وهو حديث مشهور عند الأئمة ، معروف عند الفقهاء، عليه عمل غالب الأئمة من عصر الصحابة إلى اليوم،وهذه كلها مرجحات له، وقرائن تشهد على صحته.

قال الشافعي في"مختلف الحديث"على لسان محمد بن الحسن الشيباني، وهو يسأله عن ثبوت بعض الأحاديث:" {....} وحديث بئر بضاعة فيثبت بشهرته و أنه معروف"

قال الخطيب في"الكفاية" {476} :"ويرجح بأن يطابق أحد المتعارضين عمل الأمة بموجبه لجواز أن تكون عملت بذلك لأجله،ولم تعمل بموجب الآخر لعلة فيه"

وحديث شريك هو كذلك، أكثر الأمة على العمل به، الحنفية و الشافعية و الحنابلة، وقال به من الأئمة و السلف: عمر و ابنه عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وأصحابه، ومسلم بن يسار، و إبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين ، وقتادة ، وأبو قلابة ، وأبو حنيفة و أهل الكوفة قاطبة ، و الشافعي، و أحمد ، وإسحاق بن راهوية ، و الخطابي، و ابن المنذر ، وسفيان الثوري، و ابن خزيمة ، و ابن حبان، و الترمذي وغيرهم كثير.

أما القول الآخر فذهب إليه الإمام مالك و الأوزاعي و لكنهما لم يذكرا حديثا ولا أثرا،بل قد خير الإمام مالك في رواية أخرى ، فصار حديث شريك قد عملت به الأمة حتى من المعارضين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"المجموع" {252/13} :"إن تعدد الطرق مع عدم التشاعر أو الاتفاق في العادة يوجب العلم بمضنون المنقول، لكن هذا ينتفع به كثيرا في أحوال الناقلين،وفي مثل هذا ينتفع برواية المجهول، وسيء الحفظ، و الحديث المرسل ونحو ذلك."

أما ما قاله الشيخ الفاضل صاحب رسالة"نهي الصحبة"حين طرح على نفسه سؤالا حول تقوية حديث شريك بمجموع الطرق قائلا:

"ألا ليت، غير أن القواعد التي وضعها أهل الحديث ـ رضي الله عنهم ـ لا تعين على مثل ذلك، فالحديث كي يتقوى لابد أن يكون الضعف غير شديد كما هو الحال في شريك، ويكون متابعه أخف منه ضعفا أو مثله على أقل تقدير، أو يكون شاهده قويا، وهاتان الحالتان مفقودتان هنا، أما الأول فإنه لا متابع لشريك أصلا، و أما ثانيا: فشواهد الحديث بعضها أشد وهنا من البعض الآخر."

قلت: علينا جميعا الاحتراس من أن تقعد بن القواعد عن إدراك المعاني، فإن قواعد علم الحديث ليست معادلات رياضية أو قوالب نقيس بها الأحاديث، و إنما نأخذ منها المقاصد لا مجرد الألفاظ، فإن المحدثين بقاعدتهم في التعضيد أرادوا استبعاد تكرار الخطأ، والتواطؤ على الكذب.

وحديث شريك ـ بما مر عليك من تحقيق دقيق ـ بمجموع طرقه سالم من ذلك،أو ليس همام بن يحي، وعبد الجبار بن وائل متابعين لشريك وهما أقوى منه؟

ثم من أين للشيخ أن الضعف في شريك شديد ولم يترجمه كما ينبغي ؟ ولا كان منصفا في ترجمته؟ ولا متقيدا بضوابط الجرح والتعديل؟

والذين تابع بهم البخاري و مسلم و الإمام احمد وغيرهم هل كانوا أقوى من رواة الأصل؟

قال أبو الحسن بن القطان في كتابه"بيان الوهم والإيهام"حول تقوية الحديث الضعيف والمنقطع إذا اعتضد:"إن هذا القسم لا يحتج به كله، بل يعمل به في فضائل الأعمال ، ويتوقف العمل به في الأحكام إلا إذا كثرت طرقه أو عضده اتصال عمل أو موافقة شاهد صحيح أو ظاهر القرآن"نقله ابن حجر في"النكت" {402/1} وقال:"هذا حسن قوي رايق ما أظن منصفا يأباه".

أما بخصوص المتابع في حد ذاته ، فقال ابن حجر في"النكت" {420/1} :"إن الحديث الذي يروى بإسناد حسن لا يخلوا إما أن يكون فردا أو له متابع."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت