وقال فيمن روى عنه مالك و ابن عيينة:"معروف".
أما من روى عنه ضعيفان فيقول عنه::ليس بالمشهور"، كما قال فيمن روى عنه عبد الحميد بن جعفر وابن لهيعة."
و قسم المجهولين من شيوخ أبي إسحاق إلى طبقات متعددة.
فبتتبع هذه الأمثلة نجده يوثق برواية الثقات الذين يتحرون الرواية ، والذين يميزون بين صدق الراوي و كذبه.
قال ابن رجب:"و الظاهر أنه ينظر إلى اشتهار الرجل بين العلماء، وكثرة حديثه ونحو ذلك، ولا ينظر إلى مجرد رواية الجماعة عنه، فقد قال في داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص: ليس بالمشهور ، مع أنه روى عنه جماعة ، وكذلك قال في إسحاق بن أسيد الخراساني."
و الشيء نفسه فعله الإمام أحمد مع حصين بن عبد الرحمان الحارثي، وعبد الرحمان بن وعلة ، وصحح أحمد حديث خالد بن عمير ، ولم يرو عنه غير الأسود بن شيبان {شرح العلل} {79،80،81} .
هذا هو صنيع الأئمة المتقدمين، وهو على خلاف صنيع بعض المتأخرين ممن اشترط الرواية بالعدد في كل حال.
وقد أخرج البخاري و مسلم لجماعة من الرواة،لم يرو عنهم إلا الواحد من طبقة الصحابة وطبقة التابعين، ذكره ابن الصلاح وغير واحد.
قال ابن رجب في"شرح العلل" {ص:82} :"وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدد الرواة و إنما العبرة بالشهرة ورواية الحفاظ الثقات"
ولقد اهتم المحدثون بهؤلاء الرواة و سموا رواياتهم { رواية الوحدان} قال ابن حجر:"فممن جمعه مسلم و الحسن بن سفيان وغيرهما".
قلت: كتاب مسلم طبع في الهند حيدر آباد سنة 1323 هـ ذكره الميس في"مقدمة صحيح مسلم" {29/1} .
و الحافظ ابن حجر يقول في"لسان الميزان"فيمن وثقهم ابن حبان ممن روى عنه الواحد و الاثنان:"مستور أو مقبول"ولم يشترط الجماعة.
الطريق الرابعة:
و أما الطريق الرابعة من طرقنا الرئيسية فعن عبد الجبار بن وائل عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم:"كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه وكبر ثم التحف بثوبه ووضع اليمنى على اليسرى فإذا أراد أن يركع قال هكذا بثوبه و أخرج يديه ثم رفعهما وكبر فلما أراد أن يسجد وقعت ركبتاه على الأرض قبل أن تقعا كفاه فلما سجد وضع جبهته بين كفيه و جافى عن إبطيه"سبق تخريجه.
قال الشيخ ناصر:"أعلوه بالانقطاع بين عبد الجبار بن وائل و أبيه، وقالوا:إنه لم يسمع منه شيئا،قال الذهبي: صح عن عبد الجبار أنه قال: كنت صغيرا لا أعقل صلاة أبي" {الضعيفة330/2} ، {صفة الصلاةص:100} .
أقول: قال ابن حجر في"التقريب"عن عبد الجبار بن وائل: ثقة كان يرسل عن أبيه"."
فآمنا إذا من التهمة و اختلال الضبط، و الأصل فيمن وصفوه بكلمة"ثقة"أنه في درجة عالية من الضبط و الإتقان.
فإذا عرفت هذا، وعرفت أن في الرواة عن وائل بن حجر ـ رضي الله عنه ـ أهله ومنهم:زوجته أم يحي، وأبناؤه علقمة وعبد الجبار، ومولى لهم كليب بن شهاب، وحجر بن عيسى و آخرون"مقدمة التمهيد لابن عبد البر".
و إذا عرفت أن عبد الجبار كان يأخذ أحاديث والده عن هؤلاء، و بخاصة علقمة كما ذكر ذلك الحافظ في"التقريب"في ترجمة علقمة بن وائل، عرفت نوع هذا الانقطاع و أنه من النوع الذي يحتمل.
كما أنه من المستبعد جدا أن يأخذ رجل أحاديث والده عن غير أهله وموالي أبيه،وهو يعلم أنهم يروون عنه، ولا شك أنهم هم الذين علموه الصلاة و أشياء أخرى مما تعلموه من وائل ـ رضي الله عنه ـ
وفي أقل أحواله يتثبت منهم ، وقد قلنا عن عبد الجبار أنه ثقة ،فمن المفروض إذن أن يكون ذلك منه.
يؤيده أن الرواة يسقطون أحيانا بعضهم البعض من السند ، إما على سبيل المذاكرة و المناظرة ، وإما لظهور الثقة بينهم كما في الإرسال،وفي هذا الحديث يكون عبد الجبار بن وائل قد أسقط أحد أفراد عائلته ممن عهد الأخذ عنه للقرابة ، فإنه يحصل بها من الاطمئنان ، وقلة الاحتراس مالا يحصل بغيرها.
وهذا الحديث أشبه بالمرسل،ولعله لذلك قال الحافظ ابن حجر في"التقريب"عن عبد الجبار بن وائل:"إنه كان يرسل عن أبيه".
أمثلة عن نوع الأسانيد عن و ائل بن حجر:
أخرج الإمام أحمد رحمه {319/4} عن عبد الجبار عن بعض أهله أن وائلا قال:"أتيته مرة وعلى الناس ثياب فيها البرانس وفيها الأكيسة ،فرأيتهم يقولون هكذا تحت الثياب"
فهذا الحديث احتج به غير واحد منهم الشيخ الألباني ـ رحمه الله .
وصحح الدار قطني و الإمام مسلم وغيرهما إسناد عبد الجبار بن وائل عن أبيه في الجهر بالتأمين ،حيث قال:"مد بها صوته"، مخالفا لشعبة عن سلمة بن كهيل، موافقا لمارواه سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل.
و الذي يهمنا هنا هو أن غالب مسند وائل بن حجر ـ رضي الله عنه ـ عن زوجته و أبنائه ومواليه فتنبه لهذا.
قال ابن حجر في"النكت" {399/1} :"وقد جود النسائي حديث عبد الجبار عن وائل بن حجر ، وقال: عبد الجبار لم يسمع من أبيه لكن الحديث في نفسه جيد".
وذكر أمثلة أخرى ، ثم قال:"وذلك مصير منهم إلى أن الصورة الاجتماعية لها تأثير في التقوية"