الصفحة 9 من 22

و قد اختلف أهل الحديث في رواية الثقة عن رجل غير معروف، فمنهم من عده تعديلا،ومنهم من لم يقبله، على أنه باستقراء كلامهم في المسألة نجد أنهم على تفصيل فيها:

قال ابن رجب في"شرح العلل" {ص:79} :"والمنصوص عن أحمد يدل على أنه من عرف منه أنه لا يروي إلا عن ثقة فروايته عن إنسان تعديل له، ومن لم يعرف منه ذلك فليس بتعديل".

و هذا القول من الإمام أحمد من أجمع الأقوال و أعدلها، يدل عليه عمل كبار المحدثين إذا ما أضيف إليه طريقتهم في سبر حديث الراوي، واستقراء مظان الرواية، وملابسات السماع و الأداء.

فممن جعل الإمام احمد روايتهم عن مجهول تعديلا له: عبد الرحمان بن مهدي، وشعبة، ومالك بن أنس،وقيّد القاضي إسماعيل بن إسحاق بخصوص مالك أن يكون المروي عنهم من أهل بلده.

وزاد على قول الإمام أحمد يحي بن معين فذكر محمد بن سيرين والشعبي.

قال ابن رجب:"هذا تفصيل حسن"

ويوضح هذا ما قاله العلماء من أن رواية العدل مقبولة ،ورواية الفاسق مردودة ، ورواية المجهول موقوفة إلى استبانة حالته،و بالسبر تستبين حالته، فإذا روى لنا مجهول حديثا ثبت من طرق أخرى علمنا أنه قد صدق،وجزمنا بعدالته و ضبطه في هذه الرواية ،و إن كثر ذلك منه علمنا ثقته مطلقا.

هذا هو الضابط في رفع الجهالة، فإنها ترفع نسبيا بالرواية الواحدة المستقيمة،وكلية بتعدد مثل هذه الروايات،لا باشتراط العدد مطلقا فيمن أخذ عنه.

وحديث شقيق هذا لم يعله المتقدمون بجهالة شقيق ـ وهم القضاة في الجرح والتعديل ـ وقد رواه شريك موصولا، وله شواهد من أحاديث موقوفة و آثار صحيحة كما ورد من ثلاث طرق:

1 ـ طريق همام بن يحي عن شقيق أبي ليث.

2 ـ طريق محمد بن جحادة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه بلفظ:"فلما سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه".

أخرجها أبو داود في"السنن" {524/1} ،والبيهقي في"السنن" {98/2} .

3 ـ من طريق سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

أخرجها الطحاوي في"شرح معاني الآثار" {255/1} ،وقال:"كذا قال ابن أبي داود من حفظه: سفيان الثوري، وقد غلط و الصواب شقيق وهو أبو ليث."

قلت: هذا مجرد ظن الطحاوي فإن ورودها من الطريق الثانية ليس بأمكن من ورودها من هذه الطريق ويبقى كلامه مجرد احتمال.

قال الترمذي في"السنن" {57/2} :"وروى همام عن عاصم هذا مرسلا ، ولم يذكر فيه و ائل ابن حجر".

قال البيهقي {92/2} :"و إنما تابعه همام من هذا الوجه مرسلا، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين"

وقال الحازمي في"الاعتبار" {123} :"إنه مرسل وهو المحفوظ"

فهذه كلها قرائن تشهد باستقامة حديث شقيق كحديث مرسل.

ثالثا: قد جرى إلى هذا المسلك الشيخ الألباني عندما تكلم عن رواة حديث العجن، ومنهم: الهيثم بن عمران العبسي، واعتمد على توثيق ابن حبان له، بناء على أنه قد روى عنه خمسة من الرواة.

وذكر كلام الذهبي في ترجمة مالك بن الخير الزبادي بقوله:"محله الصدق"وروى عنه حيوة بن شريح، وابن وهب،وزيد بن حبان، ورشدين، قال ابن القطان:"هو ممن لم تثبت عدالته".

قال الألباني متأولا:"يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة ،والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ، ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح".

قلت: كلمة"جماعة"تدل على العدد , واشتراط العدد في التعديل مما لا يحتفل به ، وقد ثبت أن أصل الرواية لا يعتبر فيه العدد، فلا معنى لاشتراطه في الجرح والتعديل، وإذا قبل جرح الواحد قبل تعديله.

و إنما المعتمد في قبول رواية المجهول ثقة من يروي عنه، واشتهار الرواية ، فما الفرق بين خمسة و أربعة ، و أربعة و ثلاثة ، وثلاثة و اثنان ، واثنان وواحد إلا الاستئناس بالعدد،و إلا فإن الثقة هي الأصل، والواحد قد يعدل جماعة بحالها.

ومن علامة ضعف الأقوال الأصولية والحديثية حصرها في عدد لم يدل عليه الشرع و العقل.

و عليه فما اشترطه بعض المتأخرين من رواية رجلين أو خمسة أو جماعة ، فإنه منتقض عليهم عقلا ونقلا:

فالراويان عن المجهول إما أن يكونا ثقتين وعندئذ فإن أحدهما يكفي ويغني عن الآخر ،الذي وجوده لا يفيد إلا زيادة التوثيق، وزيادة التوثيق أمر نسبي، فرجعت هذه الحال كما لو كان أحدهما ثقة و الآخر غير ذلك.

و إن لم يكونا ثقتين بقت صفة المجهول مجهولة ، فلا حجة في العدد ، إنما هو السبر و التحقيق.

أما نقلا ، فقد ذكر ابن رجب في"شرح العلل" {80} أن المتأخرين أخذوا هذا عن محمد بن يحي الذهلي.

وينقضه أن علي بن المديني اشترط في مواطن أكثر من ذلك ، فإنه قال فيمن روى عنه يحي بن أبي كثير ، وزيد بن أسلم معا:"إنه مجهول".

وقال فيمن روى عنه ابن المبارك ووكيع و عاصم:"هو معروف".

و قال فيمن روى عنه المقبري و زيد بن أسلم:"معروف".

ففي المثال الأول لم يقبل رواية ثقتين، وفي الثاني لم يقبل رواية الواحد الثقة ، وفي الثالث و الرابع قبل رواية ثقتين و ثلاثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت