وشرط الإمام مسلم غير كاف لإثبات الصحة في كثير من الرواة، لاختلاف أحوالهم من ظهور وخفاء،وفي كثير من هذه الحالات يخشى من الإرسال الخفي.
كما أن لقائل أن يقول: ثبوت اللقاء مع أمن التدليس أخف احتمالا للانقطاع من عدم ثبوته والاكتفاء بمجرد المعاصرة.
و عليه،كان جامع البخاري أصح من جامع الإمام مسلم، وقد تعقب الناس على مسلم مالم يتعقبوه على البخاري.
كما أنه وربما لثبوت الأحاديث التي هي على شرط مسلم من جهة أخرى، لم يتابع البخاري ـ رحمه الله ـ على شرطه.
كما أن جمهور القدماء على شرط البخاري، ومنهم من نقل الإجماع على ذلك.
وعليه،فإن شرط البخاري لا يقبل مطلقا كما لا يرد مطلقا، وإنما باستقصاء طرق الحديث ، واعتبار علل متنه، وسبر أحوال رواته يقرر الفصل في المسألة بالنسبة للأحاديث المختلف فيها.
وتفرد محمد بن عبد الله برواية هذا الحديث عن أبي الزناد دون بقية أصحابه، وهم رواة أجلة معروفون، ولم يعرف بكثرة الرواية مما يزيد الشك تعقيدا، ويدعونا إلى التوقف عن قبول هذه الرواية،بل يلزم الاحتياط للتأكد من حصول السماع.
فإن المعاصرة مع رجحان الشك على اليقين ،لتفرد الراوي دون سائر الثقات لا تقضي بشيء.
فمذهب الإمام مسلم أنه يحكم باتصال السند المعنعن إذا كان اللقاء ممكنا مع السلامة من التدليس، عرف السماع أو لم يعرف، إلا أن يثبت عدم معاصرة أو عدم سماع.
وتفرد الدار وردي، ثم تفرد محمد بن عبد الله دون سائر الثقات يضعف جدا احتمال السماع.
قال أهل الحديث:"حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم و الحفظ في بعض ما رووا و أمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه قبلت زيادته، فأما ما تراه يعمد لمثل الزهري في جلا لته، وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الإتقان منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما وليس ممن قد شاركهم في الصحيح ما عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس والله أعلم"."مقدمة صحيح مسلم" {173/1} .
فهذا الكلام من الإمام مسلم ينطبق على محمد بن عبد الله ، الذي لم يعرف في أصحاب أبي الزناد، ولاعرف بكثرة الطلب.
قال ابن سعد:"كان قليل الحديث، وكان يلزم البادية" { تهذيب التهذيب} {252/9} .
2 ـ تفرد الدار وردي الذي قد عرفت حالته في حديث عبد الله بن عمر السابق،فإن تفرده هنا مع تفرد من سبقه،وهو محمد بن عبد الله قادح.
وعليه، فإن حدس البخاري في هذه الرواية مؤسس على أدلة ورصانة في الحديث، لا يمكن معها الاكتفاء بالقول بأنه شرطه، و أن الجمهور قد خالفه.
فإنه بالتفصيل الذي سقناه تبين أن فقدان هذا الشرط في بعض المواضع علة قادحة ، و أن مخالفة جمهور المتأخرين له ليست على إطلاقها، ولا هي دليل على ضعف ما ذهب إليه .
كما تبين أن حديث أبي هريرة ، هذا ليس على شرط الإمام مسلم.
ومسألة"هذا على شرط مسلم ، وهذا على شرط البخاري"التي تكثر في الكتب، مسألة تحتاج إلى نظر ، لم يتفق عليها المحدثون، ذلك أن بعض أئمة الحديث اشترطوا فيها أن يكون السند بجميع رواته قد ورد في أحد الصحيحين.
أما إسناد مركب من رواة روى لهم صاحبا الصحيحين في أسانيد متفرقة ، فلا يحكم على هذا الحديث بأنه على شرط أحدهما.
فقد ثبت أن الإمامين قد انتقيا من روايات الضعفاء و المختلف فيهم ما تبين لهم أنه صحيح،أو له متابع، وعندئذ لا يمكن أن نقول عن كل راو ضعيف نجده في سند ما: إنه من رجال الصحيح، فضلا على أن نقبل حديثه بناء على ذلك.
و الدار وردي روى له الإمام مسلم حديثا معينا، وروى له البخاري مقرونا، ولم يكثرا عنه،وهذا يعني أنهما انتقيا من حديثه ما ثبت لديهما أنه صحيح.
3 ـ حديث أبي هريرة هذا ،قال عنه جمع من العلماء منهم ابن القيم في"زاد المعاد": إنه مضطرب، انقلب على راويه، فقد ورد بصيغة مختلفة.
فرواه البيهقي في"السنن" {100/2} وغيره من طريق عبد الله بن سعيد المقبري عن جده عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ:"إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه و لا يبرك بروك الجمل".
و إن كان في إسناده عبد الله بن سعيد المقبري الذي تركوه، فقد ورد من طريق أخرى ، طريق سعيد بن منصور عن عبد العزيز عن محمد بن عبد الله عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك الجمل وليضع يديه على ركبتيه"."
قال البيهقي:"كذا قال على ركبتيه، فإن كان محفوظا كان دليلا على انه يضع يديه على ركبتيه عند الإهواء إلى السجود".