الصفحة 16 من 22

4 ـ قال الشيخ الألباني:"إن الدار وردي لم يتفرد به بل توبع عليه في الجملة، فقد أخرجه أبو داود و النسائي، والترمذي من طريق عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله بن حسن به مختصرا بلفظ:"يعمد أحدكم في صلاته فيبرك برك الفحل"!"

قال:"فهذه متابعة قوية، فإن ابن نافع ثقة أيضا من رجال مسلم كالدار وردي"

قلت: كم كرر الشيخ أن الدار وردي من رجال مسلم ، وهذه صفة لا تكفي الدار وردي وقد تكلموا فيه ، ووصفوه بأنه يخطيء إذا تفرد ، والشيخ ـ رحمه الله ـ ضعف أحاديث لمسلم وفيها رجاله ، بل قد أجمع المحدثون على صحتها.

و ما يسميه الشيخ"متابعة قوية"قد يقول عنه غيره:إنه مخالفة قوية.

وهو كذلك يدل على أن المخطيء في حديث الأصل { حديث أبي هريرة} هو الدار وردي.

ويسلم الأمر للشيخ لو أن معه نصا يدل على أن ركبة البعير في يديه، وهو إنما أخذ هذا عن بعض أهل اللغة ، وقد خالفهم غيرهم من أهل صناعتهم مثل: ابن قتيبة ، والفيروز آبادي و يقوت الحموي و ابن القيم .

أما ما رجحه الشيخ، وهو قول ابن منظور و الطحاوي فمأخوذ عن محمد بن زياد { ابن الأعرابي} ذكره عنه القالي في"أماليه"بدون سند ولا نقل، وعادة أهل اللغة الاستشهاد بالشعر و النثر، وهذا التقسيم الذي ذكره ابن الأعرابي لم ينسبه لأحد من العرب معين .

و أهل اللغة ـ كما هو معروف ـ قسمان: المتكلمون بها وناقلوها ، فمالم يثبت ذلك عن المتكلمين بها، ولم يذكر الناقلون السند و الشاهد لم يكن في قولهم حجة صحيحة.

و أصحاب الإبل لا يقولون بان ركبتي البعير في يديه، فإن أطلقه بعض الناس فعلى سبيل التغليب ،فإذا غاصت قوائمه الأربع في الرمل ، قيل: قد غاص إلى ركبتيه، سواء غاصت الأماميتان أو الخلفيتان، وهذا على سبيل التعميم والتغليب ، فإن العرب تسمي الشيء بما يشبهه.

فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما نهى عن مشابهة البعير، نهى عن مشابهة بروكه المر آي الحسي الذي يراه الناس ، وهو كيفية بروكه ، فإن من وقع على يديه عند الإهواء فقد شابه البعير صورة و مطابقة ، سواء كانت الركبة في الأماميتين أو في الخلفيتين ، المهم ماذا قدم أولا؟

و اليدين هي التي تكون على جانبي الرأس، وهم يقرون بأن الأماميتين تسميان اليدين ، والجمل يقدم الأماميتين فوجب مخالفته ، وعلى الإنسان أن يقدم رجليه عند النزول.

و عليه ، يتضح أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد من الحديث المشابهة بالمطابقة، بأن جعل يدي الإنسان كاماميتي البعير ، ورجليه كخلفيتيه، و لذلك ذكر لفظ"البروك"، ولم يقل:"النزول"أو"الإهواء"أو"الخرور".

كذلك مما يدل على تأويلنا هذا أن الاعتماد على الركب في النزول و النهوض من ميزات العاقل ، ولا يوجد حيوان في الدنيا يستطيعه، فخالفهم الإنسان في صلاته من كل وجه.

و إذا تبين هذا اتضح وجه الحق في كلام ابن القيم، والمناوي، و على القاري، عندما قالوا عن حديث أبي هريرة:"إنه وهم من بعض الرواة لأن أول الحديث ينقض آخره، فإن البعير يضع يديه قبل ركبتيه حال البروك، والذي قال:"ركبة البعير في يديه وهم وغلط وخالف أئمة اللغة"."

إن المتابعة التي جاء بها الشيخ تدل أيما دلالة على أن الدار وردي وهم في حديث أبي هريرة ، كما وهم في حديث ابن عمر ، وهو محور الحديثين عليه مدارهما، روى الحديث الأول { عن أبي هريرة} بلفظين مختلفين ، وخالف غيره فيه { هذه المتابعة} فتكرر الخطأ و العلة ، لدى لا يعتضد حديث أبي هريرة بحديث ابن عمر ، لأن الراوي واحد ضعيف ، قد اضطرب و تفرد وخالف، وأهل الحديث اشترطوا في التعضيد عدم تكرار العلة.

الخلاصة:

إن ثبوت الإهواء على الركب عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود ، وابن عمر ، وثبوت الاعتماد عليها في النهوض عن علي ، وابن عمر، و عبد الله بن الزبير، مما يشهد لحديث شريك بالصحة ، ولا يمكن أن يقال: لا يعارض مرفوع بموقوف للأسباب التالية:

1 ـ المرفوع المستشهد به ضعيف غير مقطوع به، لم يحتج به أحد من السلف من القرون المفضلة ، غاية ما عندهم قول مالك و الأوزاعي:"أدركنا الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم"،و هذا عليهم لا لهم ، فإن كان أئمة المدينة النبوية كمالك و الأوزاعي الذين يشتركون في شيوخهم من أهل المدينة لم يروا حديثا بهذا الشأن ، و روى الدار وردي الأقل حفظا و اتقانا منهما هذين الحديثين ،كان ذلك مسلكا للشك في روايته ، فإنه عمد إلى عمود من أعمدة الحديث المدني كأبي الزناد ، وكذلك العمري، وروى عنهما مالم يروه أئمة أصحابهما؟

2 ـ إننا بصدد الاستشهاد بالموقوف للمرفوع، لا معارضة مرفوع بموقوف؟

3 ـ إن فعل الصحابي لا يكون حجة إذا خالف جمهور الصحابة ، و الأمر هنا على خلاف ذلك،فإن ثبوت الإهواء على الركب عن هذا الجمع من الصحابة ، وعددهم أكثر ممن روى الإهواء على اليدين تفسير للسنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت