4 ـ من المستحيل أن تفوت كل هؤلاء الصحابة سنة الإهواء على اليدين ، وقد عرفوا بملازمة النبي صلى الله عليه وسلم ، والإهواء حركة ظاهرة ، لو كان قولا غاب عنهم ، أو فعلا مما جرت العادة أن يكون في البيت لهان الأمر.
5 ـ يوضحه: إننا بالبحث و الاستقراء وجدنا أن غالب ما يفوت الصحابة إما أقوال صدرت عن النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن خاصة ، و إما أفعال مما هو من قبيل وقائع الأعيان، لكن الأفعال التي كان يكررها أمامهم دائما فإنها لم تفتهم.
و الإهواء من أكثر أفعال الصلاة ظهورا، وقد قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:"صلوا كما رأيتموني أصلي"حديث صحيح مشهور.
و عليه فإن ما ثبت عن الصحابة الذين كانوا يهوون على الركب إما منسوخ ، وإما محكم لا يحتمل وجها آخر.
والفرق بين الإهواء على الركب، و الإهواء على اليدين ،هو أن الأول وجدناه في أحاديث مرفوعة مختلف فيها، إلا أن عموم الفقهاء و المحدثين عملوا بموجبها ـ ثم وجدناه في أحاديث موقوفة صحيحة غاية الصحة و كثيرة ـ ثم وجدناه في آثار التابعين بقوة.
أما الثاني فلم نجده إلى في حديثين مرفوعين مختلف فيهما ،وصفهما أكثر المحدثين بالغرابة ـ أما عند الصحابة و التابعين فلا وجود له إلا عند الحسن البصري.
و عليه فاحتمال أنهم لم يروا كيفية إهوائه صلى الله عليه وسلم ، فلا يتطرق إلى العقل.
لقد فاتت أبي بكر وهو من ألزم الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم مسألة ميراث الجدة حتى أخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة ، وهذه مسألة قولية.
و فاتت عمر ـ رضي الله عنه ـ مسائل عديدة منها:
ـ سنة الاستئذان حتى أخبره أبو موسى و استشهد بالأنصار.
ـ ميراث المرأة من دية زوجها حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان.
ـ حكم المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمان بن عوف.
ـ حكم من دخل أرضا بها الطاعون حتى أخبره عبد الرحمان بن عوف.
ـ الشاك في الصلاة كيف يصنع؟ حتى اخبره عبد الرحمان بن عوف
ووجوه كثيرة أخرى ، ليس فيها مسألة من مسائل الأفعال التي تتكرر أمامهم، كالصلاة و الإهواء.
6 ـ إن هذه المسألة التي الأدلة عليها متعارضة يمكن معرفة ملابستها بالنظر في فتاوى التابعين و أعمالهم، ذلك أن بعض ما بلغ التابعين وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول ،أو بإسناد منقطع، أو برواية سيء الحفظ ،كما ذكره شيخ الإسلام في"رفع الملام" {133/20} .
لذلك كان التابعون أعلم ممن جاء بعدهم ، لأنه ليس بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الصحابة ، فعلمهم في الصدور وحاجتهم إلى الإسناد تكاد تكون منعدمة بخلاف أحوال من جاء بعدهم ، ممن دينهم مرتبط بالسند ارتباطا تاما.
ولهذه الأسباب كانت أصول السنة في المنهج السلفي هي الآثار، و ما كان عليه أهل القرون الثلاثة المفضلة ، لا يفرقون بين العقائد و الأحكام كما هو مشهور عنهم.
فهل ثبت عن التابعين الإهواء على اليدين؟
الذي ثبت عن التابعين الإهواء بالركب ، ثبت عن إبراهيم النخعي، وعلقمة و الأسود ، ومسلم بن يسار ، ومحمد بن سيرين ، و قتادة ، و أبي قلابة ، وهؤلاء ما منهم أحد إلا و قد لقي جما غفيرا من الصحابة ، واخذ عنهم العلم ، فالرجوع إليهم في تحرير محل النزاع، واعتبار ما ثبت عنهم قرائن ترجيحية رجوع إلى فقه السلف الصالح وسيلة ومقصدا.
جاء في صحيح البخاري عن أيوب عن أبي قلابة ، قال:"جاءنا مالك بن الحويرث في مسجدنا هذا ، قال:إني لأصلي لكم وما أريد الصلاة، أصلي كيف رأيت النبي صلى الله عليه وسلم"فقلت لأبي قلابة: كيف كان يصلي؟ قال: مثل شيخنا هذا، قال: وكان الشيخ يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى"."
فهذا الصحابي الجليل كان حريصا على تعليم المسلمين صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولاشك أن أبا قلابة الذي روى عنه الحديث قد تعلم منه هو الآخر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولاشك أنه رأى كيف كان إهواء مالك بن الحويرث ، ولو رآه يهوي على يديه لكان يستفسر ه عن ذلك ، لأن الذي ثبت عن أبي قلابة الإهواء على الركب.
ولسنا نحن جميعا بدون استثناء بأحرص على معرفة الدين من أبي قلابة، و أمثاله من التابعين.
وعليه، نقول: إن لم يكن فعل التابعين حجة في نفسه ، فإنه إذا ألحق به فعل الصحابة كان ذلك من أقوى الأدلة على صحة حديث شريك ، فتنبه لهذا و اتخذه قاعدة في فقهك ، فإنه عمدة طريقة المحدثين ومنهجهم في الفقه،وهو خير من التمسك بأحاديث معلولة لا يدل عليها عمل جمهور السلف الصالح.
ملاحظة:
إن جواب الشيخ الألباني عندما تكلم عن رواية الأزرق بن قيس ، وسؤاله أولاد ابن عمر عن اعتماده على الأرض بيديه، وقولهم:"هكذا يكون"لم يتناول جميع الاحتمالات الواردة.
ذلك أنهم ربما قصدوا أنه هكذا منذ كبر وطعن في السن، أو أنهم أولاده الذين أنجبهم عندما تقدم في العمر، فلم يشهدوا منه إلا ذلك.