و إلا فقولهم يجب حمله على ما ثبت عن ابن عمر تفصيلا، على أن أهم مافي هذه القصة هو استغراب الأزرق بن قيس لفعل ابن عمر، وطرحه السؤال، لو لم يكن يعلم عن الصحابة خلاف ذلك، وهو من التابعين، ولذلك قال لهم:"لعله يفعله عن كبر؟"
وفي الأخير ومما لا يسعني ترك الإجابة عنه ما ذكره صاحب رسالة"نهي الصحبة"في تنبيهاته، فقد قال شريك بن عبد الله القاضي فيما نقله عنه الذهبي في"ميزان الاعتدال":"ترك الجواب في موضعه إذابة للقلب"
1 ـ فمما قاله في تنبيهاته، الخامس منها: قول ابن حزم بوجوب وضع اليدين قبل الركبتين: ومع انه لا يعتقده، وقد أبطله في مقدمة رسالته، وفي التنبيه السابع منها بنقله كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بجواز الأمرين؟
فإن كان ابن حزم أصاب الحق في قوله هذا، فإنه لا يسعه إلا أن يقول مثله، وإن كان قد أخطأ، لم يبق له عذر في نقل كلام لا يعتقده، ولا يعتمده، ويجعله تنبيها.
و إن كان ابن حزم ـ رحمه الله ـ جبلا شاهقا في الفقه و الحديث، إلا أن ظاهريته أحيانا عرجاء، فهو كثير الجزم في مسائل خلافية، ويدعي الإجماع على مسائل مختلف فيها، وهذا الجزم في مسائل مختلف فيها هو داء العصر، يجزم الناس على أقوال غاية ما قد يقال عنها: إنها أقوال ضمن أقوال أخرى،فتراهم يجزمون بأشباه أدلة ما إن تدبرته وجدته يخالف فقه السلف و هديهم، أو هو أحد أقوال السلف لا قول عامتهم.
بل الأدهى أنهم ينكرون على الآخرين، ولا يفرقون بين أنواع الخلاف، ومن أعجب ما سمعت قول احدهم للشيخ الألباني: لم لا نقول عن الإهواء بالركب أنه بدعة؟
أراد هذا الأحمق أن يبدع الأمة بما فيها من صحابة و تابعين و أئمة، لولا أن الشيخ كان فاطنا فمنع ذلك.
2 ـ تعقبه الترمذي ـ رحمه الله ـ في قوله عن حديث شريك:"حديث حسن"بقوله هو:"غير حسن"كأنما أخل الترمذي بشرطه، وقد علم من هو دونه في العلم أن حديث شريك على شرط الترمذي، وأبي داود، و النسائي!
فائدة:
ذكر ابن رجب عن الترمذي، أي عن شرطه كلاما مفاده أن قول الترمذي:"يروى من غير وجه نحو ذلك"لم يقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيحتمل أن يكون مراده عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره، وهو أن يكون معناه يروى من غير وجه، ولو موقوفا ليستدل بذلك هل أن هذا المرفوع له أصل يعتضد به؟ وهذا كما قال الشافعي عن الحديث المرسل: إنه إذا عضده قول صحابي أو عمل عامة أهل الفتوى به كان صحيحا" {شرح العلل} {ص:226} ."
و اشترط أن لا يكون في إسناده متهم بالكذب.
وفي سند شريك لا يوجد إلا صادق، ثم اشترط أن لا يكون شاذا، وفي قوله من غير وجه ما ينفي الشذوذ.
3 ـ نقله في التنبيه السادس قول ابن أبي داود:"إن الإهواء على اليدين هو قول أصحاب الحديث"ولازم قوله مما لا يخفى على احد بطلانه، ففي أي زمرة يضعون سفيان الثوري، والشافعي، و احمد بن حنبل، ومالك {صح عنه التخيير} ، وإسحاق بن راهوية، والدار مي، و ابن خزيمة، والترمذي، والخطابي، والبيهقي، و ابن المنذر، والحازمي، و غيرهم كثير؟
و إن كان هذا القول ينقلونه لمقابلة قول الخطابي:"إن الإهواء على الركب قول عامة الفقهاء"، ولمقابلة قول الترمذي:"بأنه مذهب عامة أهل العلم"، فإنه بالتعبير الدقيق قول عامة فقهاء الحديث.
هذا ما أمكننا جمعه على مدى عشر سنوات، لاشك أن الخلل فيه كامن أو ظاهر،وفقنا الله لإصلاحه، و أعاننا على إتمامه حينما تتوفر لنا المراجع كاملة.
والحمد لله وحده و الصلاة والسلام على من لا نبي بعده
كتبه
مختار الأخضر طيباوي
سنة 1992 م، و انتهى منه سنة 2002 - 06 - 21