الصفحة 2 من 22

وتفرد شريك من القسم الثاني، فمن سمع أكثر من أقرانه و كان أقدم سماعا منهم، فلا بد وانه قد سمع مالم يسمعوه.

وعليه، و باعتبار المتابعات و الشواهد، وفتاوى الصحابة و التابعين يظهر أن سبب تفرد شريك كثرة الحفظ، وقدم السماع.

فهذا التحليل مما لا يجب إهماله عند التعرض لأحاديث المنفردين ،و بخاصة إذا علمنا أن في تلك العصور القديمة كان الانفراد دليل قدم الطلب وسعته.

ثم إن التفرد يصير علة قادحة إذا خالف المنفرد من هو أو ثق منه،وهذا الذي حاول الشيخ ناصر تقريره عندما نقل قول يزيد بن هارون:"إن شريكا لم يرو عن عاصم غير هذا الحديث".

و أيده بقوله في"الإرواء" {76/3} :"إن شريكا خالف غيره من الثقات و الحفاظ مثل زائدة بن قدامة".

قلت: لكن الثقات الضباط قد خالفوا هم ـأيضاـ زائدة، فرووا الحديث بخلاف روايته ، بألفاظ متقاربة و أحيانا متباينة ، كما يظهر من مجموع طرق الحديث عن وائل ـ رضي الله عنه ـ

و لا يمكن الطعن فيهم كلهم ، وفيهم رجال الصحيح: سفيان الثوري، و عبد الله بن المبارك، وهمام بن يحي، وهشام الدستوائي و غيرهم، فلزم أن شريكا لم يخالف زائدة لوحده.

فإن قيل: إن مجموع روايات الحديث المتفرقة ضمها حديث زائدة إلا رواية شريك ؟

قلنا: أولا: زائدة روى ما رووا على انفراد، فروى بالنسبة لكل واحد منهم مالم يرو، وأصل الحديث عن وائل بن حجر واحد ، إلا انه قطع فروي كل واحد منهم جزءا.

و الذي يظهر من مجموع طرق الحديث،أن الحديث عن وائل ـ رضي الله عنه ـ قسمه الرواة عنه بحسب الموضوع الفقهي، لذلك يعد كل قسم أو قطعة منه حديثا بحد ذاته.

وهذا العمل قد فعله جمهور المحدثين، وذكره الإمام مسلم في"مقدمة صحيحه" {124/1} .

فالتعارض يكون إذا كان المجلس واحدا ، و إلا فتعد الوجوه المختلفة طرقا مستقلة .

ذكر ابن رجب في"شرح علل الترمذي" { ص:292} عن يحي بن معين أنه قال:"شريك أحب إلي في أبي إسحاق من إسرائيل وهو أقدم"

وقرن مرة أخرى بينه و بين أبي عوانة في أبي إسحاق.

ونقل جماعة عن الإمام أحمد تقديم شريك على إسرائيل في أبي إسحاق،وقال:"إنه أضبط عنه ،و أقدم سماعا".

و عبد الرحمان بن مهدي:"رجح إسرائيل على الثوري و شعبة".

قال العجلي:"و يقال: إن شريكا أقدم سماعا منهم".

قال يحي بن معين:"وهو يروي عن قوم لم يرو عنهم سفيان [ يعني الثوري] "نفس المصدر السابق و الصفحة"."

فتبين من هذه النقول أن سماع هؤلاء الأئمة من أبي إسحاق السبيعي لم يكن واحدا، و أبو إسحاق السبيعي هو الذي ذكر فيما رواه عنه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه رأي أصحاب عبد الله بن مسعود يهوون على الركب، ولفظه:"كان أصحاب عبد الله إذا انحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم""المصنف" {624/1} .

و عليه يمكن القول: إن سماع شعبة ، وسفيان، وهشام ، وهمام ، وإسرائيل ، وزائدة وغيرهم لم يكن في وقت واحد ، و شريك أقدم سماعا منهم في أبي إسحاق ، وأعلمهم برواياته كما شهد له بذلك الأئمة الفحول في الحديث.

ولذلك نقول: وصف الرواة وصفا عاما جائز فيمن اتفقوا على تركه، أما من ضعفوه ولم يتركوه ، واعتبروا بحديثه فيلزم ترجمته بالتقيّد بمشيخته، فمن الرواة من تكلموا فيه عموما، وهو من أثبت الناس في شيخه،أو في أهل بلده، ومنهم من وثقوه وهو ضعيف في بعض الشيوخ،أو قد يكون مقبولا في المغازي أو التفسير ضعيفا في غيرها.

فتقسيم المحدثين للرواة إلى طبقات باعتبار الشيوخ له فائدة معرفة التفرد و المخالفة ، لأن ملابسات الرواية والسماع قد تظهر من صيغ التحمل و الأداء، ولكنها في الغالب تظهر بمقابلة الطرق وجمعها إلى بعضها البعض.

ذلك أنه قد ثبت عند المحدثين أن يعضا من الصحابة رووا أجزاء من أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم رواها آخرون كاملة ، وذلك كأن يحضر في آخر المجلس، أو يشغله أمر من طلب طهارة أو دابة فلتت منه ـ كما حصل لعمران بن حصين ـ أو لإجابة سائل أو متسول وغيرها من أمور تدفع بالسامع إلى التشاغل عن الراوي .

و كذلك الرواة الثقات قد ينسوا زيادة في حديث و يحفظها من هو دونهم في الإتقان ويرويها، وهذا راجع للأسباب المذكورة.

و قد لا يعرف السامع أن الشيخ في مجلس فتوى أو مذاكرة ، وان الحديث الذي أرسله متصل السند ، فيأخذ هذا السامع الحديث على أن الشيخ أرسله.

ولذلك فإن عرض سند مثل هذا الحديث على بقية الطرق ، ومعرفة أحوال المجلس إن كان واحدا أو متعددا ، وعرض المتن على النقد الفقهي و الأصولي كفيل بتبيان هذه الأوجه.

ومن جهة أخرى: يمكن أن نقول: كلام يزيد بن هارون قد يفسر لصالح شريك لا عليه، .

فإن من وصف بالوهم و الخطأ من الرواة العدول، قد يكون وهمهم في السند ، كما قد يكون في المتن ،والوهم في السند يقتضي أن يصحف أو يقلب ، ومقولة يزيد مما ينفي عن شريك هذا الضرب من الوهم، فلم يبق إلا الوهم في المتن،وهو الذي قصد الشيخ الألباني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت