الصفحة 3 من 22

فنقول: ما يمنع أن تكون رواية شريك حديثا آخر غير حديث زائدة ، وقد علمت أن الثقات من رجال الصحيح قد خالفوا زائدة ،ولم يكن ذلك طعنا في رواياتهم ،ذلك انه كثيرا ما يحصل أن يروي الشيخ لرجل مالا يرويه لآخر، للاختلاف طرق التحمل ومدته.

مثل ذلك رواية الموطأ عن مالك بلغت إلى عشرين رواية ، تختلف فيما بينها إلى حوالي مائتي حديث ،وقد سبق و أن أوضحنا أن الرواة في طبقة شريك سماعهم من أبي إسحاق لم يكن في مجلس واحد.

فلو أننا علمنا أن زائدة استوعب أحاديث عاصم ـ كما هو الشأن في رواة آخرين عن شيوخ آخرين ـ لسلم للشيخ الأمر ، ولقلنا معه: إن شريكا قد خالف من هو أو ثق منه.

يوضحه: أن زائدة قد ذكر الحديث بأتم من شريك ـ كما قال الشيخ ـ ولم يذكر الإهواء سواء على اليدين أو على الركب، فلو أنه ذكر مثلا الإهواء على اليدين ، وقد ذكر شريك الإهواء على الركب ، لقلنا: قد خالف شريك من هو أوثق منه.

وعليه ، يجب التفريق بين أنواع الزيادات، فمنها الزيادة المخالفة المعارضة للمزيد عليه ، ومنها الزيادة التي لا تعارض المزيد عليه ، بل هي من قبيل زيادة البيان حسب المقتضى ،:"فإذا انفرد العدل الصادق عن سائر الثقات بزيادة لا تنافي المزيد عليه قبلت ، وهو قول الشافعي و جماعة من الفقهاء، و قيّد ذلك الإمام أحمد بأن لا يترك الجمهور هذه الزيادة"المسودة" {ص:299} ."

و في مسألتنا هذه ، زيادة شريك لا تعارض روايات باقي الرواة ، فتثبت ما نفوا،أو تنفي ما أثبتوا ،فإنه لا ينسب لساكت قول كما قال الشافعي.

كما أنها زيادة لم يردها جمهور المحدثين و الفقهاء، و أكثر أصحاب الكتب في الحديث قبلوها، وقد تبين أن مجلس سماع الرواة في طبقة شريك كان مختلفا متعددا في الزمان والمكان.

وهنا ملاحظة يجب ذكرها: وهي إن ما انفرد به الراوي الصادق إذا كان معمولا به في عهد الصحابة وكبار التابعين ، أو مرويا من جهات أخرى بما يوافقه أو يشهد عليه ، قبل من انفرد به هذا الراوي وعلم أن له أصلا قويا.

ووصف مثل هذا الحديث بالشذوذ أو النكارة لا يضره بل لا يصح ،لأن بتداوله عملا و قولا عند الصحابة والتابعين لا يكون إلا محكما أو منسوخا، لا يحتمل احتمالا آخر ، فلا يعقل أن نقول عما صح عن الصحابة والتابعين أنه شاذ أو منكر.

والحديث بتداوله عند الصحابة و التابعين كعمل يصبح مشهورا ، ولأسباب خفية وملابسات الرواية اعترضت سنده علل بالنظر فيما قلناه سابقا يتبين أنها علل إضافية ليست أصلية فيه، ولذلك فإن أحاديث المنفردين يشترط فيها أن لا تخالف الأحاديث المشهورة ،أو الإجماع، أو عمل جمهور الصحابة .

كما أن فقه الراوي و علمه بالخلاف عامل قوي في قبول ما انفرد به.

و يمكن الجواب من وجه آخر يدل على أن شريكا قد ضبط الحديث عن عاصم، وهو ما نقله البغدادي في"تاريخ بغداد" {682/9} ، والذهبي في"ميزان الاعتدال" {270/2} :"قال سعدوية:إنه سمع عبد الله بن المبارك يقول:"شريك أعلم بحديث الكوفيين من سفيان [ الثوري] ""

وفي"تهذيب الكمال" {470/12} عن وكيع أنه قال:"لم يكن أحد أروى عن الكوفيين من شريك".

وهذه شهادة من إمامين عظيمين لا يخرج الكلام منهما إلا مخرج الحكم، لانهما في سياق المقارنة ،وهما أعلم بهذه الطبقة ممن جاء بعدهم.

ومثل شريك في هذا الباب إسماعيل بن عياش ، عن أهل الشام وثقوه وفي غيرهم ضعفوه.

ولذلك يجب أن نقول: إن ترجمة أمثال شريك يجب أن تكون على ضوء شيوخهم و بمتابعة طرق حديثهم.

قال ابن رجب في"شرح العلل" {ص:92} :"اعلم أن الرواة أقسام: فمنهم من يتهم بالكذب ، ومنهم من غلب على حديثه المناكير لغفلته و سوء حفظه، وقسم ثالث:أهل صدق و حفظ و يندر الخطأ والوهم في حديثهم أو يقل، هؤلاء هم الثقات المتفق على الاحتجاج بهم ، وقسم رابع: هم أيضا أهل صدق و حفظ ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيرا، لكن ليس هو الغالب عليهم ، وهذا القسم الذي ذكره الترمذي هاهنا".

فهذه الطبقة و إن كان ترك الحديث عنهم مثل:يحي القطان، فقد حدث عنهم ابن المبارك ،وابن مهدي، ووكيع بن الجراح، و أحمد بن حنبل، و البخاري، ومسلم، و أبو داود، والترمذي ، والنسائي، وابن ماجة، و ابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي و أكثر أهل الحديث على أمور ضبطوها وقرائن اشترطوها.""

ووجه آخر للجواب يمكن التعويل عليه:

إن الأحاديث الكثيرة التي رواها وائل بن حجر ـ رضي الله عنه ـ واصفا فيها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بدقة متناهية ، وفي بعضها أنه كان يترقب صلاته، تستلزم ضرورة و صفه لكيفية الإهواء إلى السجود ، وهي من أكبر حركات الصلاة للانتقال المصلي من حالة القيام إلى حالة القعود، وقد نقل رضي الله عنه من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أمورا هي أدق و أخفى من الإهواء، وجاء من طريقه عدة أحاديث في الباب، و إن كان المعارض يدعي تعليلها إلا أن ذلك قرينة أخرى على ضرورة وصفه الإهواء إلى السجود ، فكان دليلا آخر على أن شريكا لم يخالف من هو أوثق منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت