فهرس الكتاب
ولا عجب فالصاحب ما هو إلا معلم لصاحبه من حيث لا يشعر، تنطبع صفاته في نفس صاحبه، وتنتقل أخلاقه الى أخلاقه، وتسري معاملاته الى معاملاته، بتأثير القرب، وعن طريق الحب، فلا يلبث إلا وهو نسخة عن صاحبه تتردد على لسانه كلماته، وتظهر في أعماله تصرفاته من حيث لا يدري، ولذلك فقد حذر الله تعالى من صحبة من قال فيهم/فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) / النجم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم /:/ الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل/ رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة [1] .
وقال عليّ /:
وصاحب تقيا عالما تنتفع به فصحبة أهل الخير ترجى وتطلب
وإياك والفساد لا تصحبنّهم فصحبتهم تعدي وذاك مجرب
واحذر مؤاخاة الدنيء فإنه يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب
واختر صديقك واصطفيه تفاخرا إن القرين الى المقارن ينسب
وإذا كان المرء ينتقي من أطيب الطعام والشراب لبطنه، ويحرص على صحة جسمه فيتقي ما يسبب مرضها وضعفها، فأولى به أن ينتقي لروحه وقلبه وأخلاقه من يغذيها بأحسن الصفات، وأجمل الآداب، وأكمل العادات، وأكرم الأخلاق، ويتقي مرضى النفوس، ويتجنب ضعيفي الإيمان خوفا على دينه، وضنا على أخلاقه، أن يصيبها ما أصابهم، قال /:/ لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي/. رواه أبو داود والترمذي وأحمد عن أبي سعيد [2] . وقال سيدنا عمر /"عليك بإخوان الصدق، تعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء".
ولئن كان أشرف لقب في الإسلام هو لقب (الصحابي) ، وهو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم /وآمن به، وتشرف بصحبته، فإن الصحابة يتفاوتون فيما بينهم في الفضل بمقدار صدق صحبتهم للنبي /وعمق محبتهم له، وشدة إخلاصهم في خدمته، وقد حصل على النصيب الأوفى من هذه الأفضلية من قال الله تعالى في حقه:/إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا/ وكان سيدنا أبو بكر /بفضل هذه الصحبة المشرفة، الخليفة الأول لسيد النبي صلى الله عليه وسلمين /.
ولقد ضرب لنا رسول الله /هذا المثل في أهمية الصحبة وما لها من تأثير عظيم على مصير صاحبها فقال:/ إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير. فحامل المسك، إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة. ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة / متفق عليه عن أبي موسى [3] .
وقال سيدنا عمر /:/ اعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين من القوم، ولا أمين إلا من خشي الله، فلا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك، واستشر في أمرك الذين يخافون الله تعالى/.
ويؤكد لنا الواقع العملي المنظور أنه من صحب الأبرار الصالحين صار منهم، ومن التزم الذاكرين ثوى في قلبه ذكرهم، ومن لصق بالعلماء إنتقل إليه نور العلم والإيمان، وامتد هذا النفخ
(1) حسن (صحيح الترمذي)
(2) حسن (صحيح الترمذي)
(3) هو متفق عليه حقا