قال أبو العباس رحمه الله تعالى:- ( والذي جوزوا التداوي بالخمر قاسوا ذلك على إباحة المحرمات كالميتة والدم للمضطر, وهذا ضعيف لوجوه, أحدها:- أن المضطر يحصل مقصوده يقينًا بتناول المحرمات فإنه إذا أكلها سدت رمقه وأزالت ضرورته وأما الخبائث بل وغيرها فلا يتيقن حصول الشفاء بها فما أكثر ما يتداوى ولا يشفى ولهذا أباحوا دفع الغصة بالخمر لحصول المقصود بها وتعينها له بخلاف شربها للعطش فقد تنازعوا فيه فإنهم قالوا أنها لا تروي, الثاني:- أن المضطر لا طريق له إلى إزالة ضرورته إلا الأكل من هذه الأعيان وأما التداوي فلا يتعين تناول هذا الخبيث طريقًا لشفائه فإن الأدوية أنواع كثيرة كالدعاء والرقية وهو أعظم نوعي الدواء حتى بقراط:- نسبة طبنا إلى طب أصحاب الهياكل كنسبة طب العجائز إلى طبنا, وقد يحصل الشفاء بغير سبب اختياري, بل بما يجعله الله في الجسم من القوى الطبيعية ونحو ذلك, الثالث:- أن أكل الميتة للمضطر واجب عليه في ظاهر مذهب الأئمة وغيرهم, كما قال مسروق:- من اضطر إلى الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار, وأما التداوي فليس بواجب عند جماهير الأئمة وإنما أوجبه طائفة قليلة كما قاله بعض أصحاب الشافعي وأحمد, بل قد تنازع العلماء أيهما أفضل, التداوي أم الصبر للحديث الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن الجارية التي كانت تصرع وسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو لها فقال(( إن شئت أن تصبري ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يشفيك ) )فقالت:- بل أصبر ولكني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف فدعا لها أن لا تتكشف. ولأن خلقًا من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتداوون بل فيهم من اختار المرض كأبي ابن كعب وأبي ذر, ومع هذا فلم ينكر ترك التداوي, وإذا كان أكل الميتة واجبًا والتداوي ليس بواجب, لم يجز قياس أحدهما على الآخر )ا.هـ.