أهمية علم الوقف والابتداء: (1)
(1) قال د يحيى الغوثاني:"الوقف والابتداء: من أهم أحكام فنِّ الترتيل التي ينبغي للقارىء أن يهتم بها , فقد ورد عن الإمام علي عليه السلام سئل عن قوله تعالى: { و َرَتِلِ الْقُرْءَانَ ترتيلًا } فقال: (( هُوَ تِجْوِيدُ الحُرُوفِ وَمَعْرِفَةُ الوُقُوفِ ) )."
حُكْم تعلم علم الوقْف والابتداء: حكمه الوجوب , لما مرَّ من حديث الإمام علي (كرم الله وجهه) فقد جعل نسبة عِلْمِ الوقف من علم ترتيل القرآن بنسبة النصف .
قال ابن الجزري: (( ...ففي كلام الإمام علي دليلٌ على وجوب تعلُّمه ومعرفته , وصحَّ بل تواتر تعلمه والاعتناءُ به من السَّلف الصالح ... وكلامهم في ذلك معروفٌ , ونصوصُهم عليه مشهروةٌ في الكتُب , ومن ثّمَّ اشترط كثير من أئمة الخلف على المجيز أن لا يجيزَ أحدًا إلا بعد معرفته الوقف والابتداءَ , وكان أئمة القراءة يوقِفُونَ الطلبة عند كل حَرْفٍٍ ويشيرون إليهم فيه بالأصابع , سنَّة أخذوها عن شيوخهم الأولين. ومما يؤسف له أن كثيرًا من طلبة العلم لا يهتمون بعلم الوقْف والابتداء , مع العلم أنه مهم جدًّا , وكثير من المقرئين اليوم يقفون وقوفًا غير صحيحٍ , ويبتدئون من مواضع أعجب , كما نسمع كثيرًا منهم يبدأ بقوله تعالى:( إَنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ) أو ( مَالَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) عِلْمًا بأن علماء الرسم احتاطوا لذلك فوضعوا علامات على الوقْف الجائز والممنوع.
والعمدةُ - في معرفة ما يصْلُح وقفًا وما لا يصلُحُ - على الفَهْم لكلام الله تعالى , والفَهْمُ يعتمِدُ على معرفة شيء من علم النحْو والإعراب , فإن كان المتلقي أعجميًا أو صغيرًا لا يَفْقَهُ هذه القضايا , فينبغي على المعلم أن يوقِفَهُ في مكان الوقْف الجائز , ويُحَذِّرَهُ من الوقْف الممنوع.ومن المؤسف أن كثيرًا من مُلَقّني القرآن يهتمون بالحِفْظِ أو حُسْن الصوْت أو أحكام المخارج أكثر مما يهتمون بتمام الوَقْف وحسن الابتداء , مع العلم أن كتبًا كاملة متخصصة أُلِّفَتْ في مجال الوقْف والابتداء.
الفرق بين الوقْف والقطع والسّكتْ:
الوقف: هو السكوتُ على أخِرِ كَلِمَةٍ زمنًا يُتَنَفَّسُ في أثنائه عادةً , بنيَّةِ الاستمرار في القراءة , فلا وقْفَ في وسط الكلمة , ولا فيما اتصل رسمًا .
القطع: هُوَ التوقُّفُ عن القراءَةِ بنيَّةِ الانتهاءِ منها , ثُمَّ الانتقَالُ لأيّ عَمَلٍ آخَرَ كَرُكُوعٍ ونَحْوِهِ.
السَّكْت: قَطْعُ الصَّوتِ زَمَنًا لَطيفًا أقلَّ من زَمن الوقْف بقليل بدون تَنَفُّسٍ بِنِيَّةِ مُتَابَعَةِ القراءة , وَيُسَمِّيهُ البعْضُ: وُقَيْفَةً لَطيفَةً.
السكتات عند حفص روايةً عن عاصم بطريق الشاطبية نوعان: النوع الأول سَكْتُ واجِبُ:
وهو في أربعة مواضع في القرآن الكريم:
1-في سورة الكهف: آية 1 (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاس قّيِّمًا ...) على (عِوَجَاس ) وهذا السكت واجبٌ حالَ الوصلِ , ويجوز للقارىء الوقف عليه إن أراد.
2-في سورة يس: آية 52 (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَاس هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) على كَلِمَةِ (مَّرْقَدِنَاس ) ولو أراد القارىء أن يقف عليها ويتنفَّسَ فله ذلك , فالوقف عليها تامٌّ , أمَّا إذا أراد الوصل فيجب أن يَسْكُتَ سَكْتةً لَطِيفَةً بَدُون تنفُّسٍ.
3-في سورة القيامة: آية 27 ( وَقِيلَ مَنْ س رَاقٍ ) ويسْقُطُ الإدْغَامُ هنا ويجب الإظْهَارُ , ولا ينبغي أن يُوقَفَ على ( مَن ) لأن المعنى لم يتِمَّ .
4-في سورة المُطَفّفين: آية 14 ( كَلاَّ بَلْ س رَانَ ) وهنا يَسْقُطُ إدغام اللام في الراء أيضًا , ولا ينبغي أن يوقف على ( بَلْ س ) لأن الْمعنى لم يَتِمَّ.
النوع الثاني: السَّكْتُ الجائِزُ وهو في موضعين:
1-الموضعُ الأوَّل: إذا وصل القارىء آخر سورة الأنفال بأول سورة التوبة فيجوز له ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: الوَصْلُ , هكذا ( إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
الوجه الثاني: الْقَطْعُ , أيْ: مع التنفس , هكذا: ( إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) فيأخُذُ نَفَسًا , ثم يبدأ (بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
الوَجْهُ الثَّالِثُ: السّكتُ بدونِ تَنَفُّسٍ هكذا: ( إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ) وهو وجْهٌ جَوازِيٌّ.
2-الموضع الثاني: إذا وصل القارىء قوله تعالى: ( مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْس هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ) سورة الحاقَّة (28-29) فيجوز له السَّكْتُ أو الإدغامُ , ويكون من باب إدغامِ الْمِثْلَيْنِ .
ملاحظات حول السّكْت:
الملاحظة الأولى: وتمنع السكتات الواجبة برواية حفص عن عاصم بطريق قصر المنفصل مع توسط المتصل , وعلى وجه عدم السكت في الموضع الأول يكون إخفاء وفي الثالث والرابع يكون إدغامًا , وذلك بطريق طيَّبة النشر .
الملاحظة الثانية: إذا سكت القارىء في هذه المواضع فينبغي أن يَحْبِسَ النَّفس حبسًا كاملًا بحيث يَشْعُرُ أنه سَكَتَ ولكنه يريد الوَصْل , ولْيَحْذَرْ مَنْ أخْذِ النَّفَسِ خُفيَةًَ كما يفعله الحذّاقُ المنغمين من قُرَّاء المناسبات اليوم.
الملاحظة الثالثة: قد جاء في بعض كتب التجويد الحديثة أن هذه السكتة بمقدار حركتين , وهذا غير دقيقٍ , فالصواب: أنها سكتة لطيفة - كما يعبر العلماء - مدة من الزمن قصيرة لا تَصِلُ إلى حَدِّ الحَرَكَتين , وإنما زَمَنُها يَتَنَاسَبُ مع سرعة القراءة وبطئها حسب مراتب التلاوة. ومن هنا تدرك أن ما يفعله بعض قراء المناسبات في زماننا عندما يقرؤون بالسَّكْت لحفص أو لحمزة فيبالغون بالسكتة حتى يجعلونها وقفة طويلة تتناسب مع الإيقاع والنَّغَم , فكأنها فاصل موسيقيّ , تدرك أن ذلك خَطَأ منهيٌّ عنه.
أقسام الوقف كما ذكرها العلماء وهي ستة:
1-الوقف الاختياريُّ 2- الوقف الاختباريُّ
3-الوقف الانتظاريُّ 4- الوقف الاضطراريُّ
5-الوقف التعسُّفيُّ 6- وقف المراقبة.
الوَقْفُ الاختياريُّ: - بالياء - وهو أن يَقِفَ القارىء باختياره بدون أن تُلْجِئَهُ الضَّرورةُ لذلك. وهذا يشْمَلُ أربعَةَ أنواع هي محور الموضوع:
-الوقف التام.
-الوقف الكافي.
-الوقف الحسن.
-الوقف القبيح.
الوقف التام: هو الوَقْف عَلَى ما تَمَّ معْناهُ ولم يَتعلَّقْ بما بَعْده لا لفظًا ولا معنىً. والمراد بالتعلق اللفظي: التعلُّق من جهة الإعراب , كأن يكون معطوفًا أو صفةً أو نحو ذلك. والمراد بالتعلًّق المعنوي: التعلق من جهة المعنى , كالإخبار عن حال المؤمنين أو الكافرين , أو تمام قصة ونحو ذلك.
موضعه: يوجد غالبًا عند انتهاء القصص , وعند أواخر الآيات , إذ هي مقاطعُ وفواصلُ نحو: الوقْف على ( الْمُفْلِحُونَ ) في قوله تعالى: ( أُوْلئِكَ عَلَى هُدَى مِن رَّبِّهِمْ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) والابتداء بعد ذلك بقوله: ( إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا ) فإنَّ الأولى من تمام أحوال المؤمنين , والثانية متعلقة بأحوال الكافرين.
ومن علامات الوقف والابتداء التامَّين:
-الابتداء بالاستفهام ملفوظًا أو مقدرًا , مثل: { اللهُ يُحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ والأَرْضَ } . ( الحج: 69 ) .
-أن يكون آخر قصة وابتداء أخرى , مثل: { وَمَا هِيَ مِنَ الظَالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا.. } ( هود: 83 و 84 ) .
-الابتداء بياء النداء غالبًا مثل: { إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ (20) يَاأَيًّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } (البقرة: 20 ) .
-أو بفعل الأمر , مثل: { ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } ( هود: 114 - 115 ) .
-أو بالشرط مثل: { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلآ أَمَانِيِّ أَهْلَ اْلكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } (النساء: 123) .
-عند انتهاء القول , مثل: { إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقْومِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا ... } (الشعراء: 70 - 71 ) .
-أو أواخر السور , ويحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده.
الوقف الكافي: وهو الوقف على ما تَمَّ معناه وتعلق بما بعده معنىً لا لفظًا , كالوقوف على ( يُؤْمِنُونَ ) من قوله تعالى: { .. أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } . والابتداء بـ { خَتَمَ اللهُ } .
موضعه: ويكثر وروده في فواصل الآيات وغيرها , نحو: ( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) والابتداء بـ (والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْك...) ويحسن الوقف عليه أيضًا والابتداء بما بعده.
الوقف الحسن: هو الوقف على ما تمَّ معناهُ وتعلَّقَ بما بعده لفظًا ومعنىً , لكونه إما موصوفًا والآخرُ صفةً له , أو مُبْدَلًا والثاني بَدَلًا , أَوْ مستثنىً منه والآخر مستثنىً , نَحْوُ الوقف على: (بِسْمِ اللهِ) وعلى: ( الْحَمْدُ للّهِ ) فالْوَقفُ على نَحْوِ ذلك حَسَنٌ. أما الابتداء بـ ( الرَّحْمنِ الرَّحِيم ) و (رَبِّ الْعَالَمِينَ)
فلا يَحْسُن لتعلُّقِهِ لفظًا بما قبله , فإن أراد الابتداء وصله بما قبله إلا إذا كان رأس آيةٍ فإنه يجُوزُ الوَقْفُ عليه لِوُرُودِهِ عن النَّبي (ص) .
الوقف القبيح: هُوَ الوقف على ما لم يَتِمَّ معناهُ , لتعلقه بما بعده لفظًا ومعنىً , كأن يقف على (مَالِكِ) وما أشبهها , ويبتديء بـ ( يَوْمِ الدِّينِ ) . ألا ترى أنك لا تعرفُ إلى أيِّ شيءٍ أُضِيفَ ؟.
ومن علامات الوقف القبيح: أن يقف القارىء على المبتدأ دون خبره , نحو: ( الْحَمْدُ ) أو على الفعل دون فاعله , مثل: ( وَإِذْ قَالَ ) أو على الناصب دون منصوبه , مثل: ( لاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ ) , أو على الجار دون مجروره , مثل: ( لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن ) , أو ما أشبه ذلك .
ومن أقبح أنواع الوقوف: أن يقف على ما يوهمُ وصفًا لا يليق بالله تعالى كأن يقف على: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ ... ) أو يفهم معنىً غير ما أراده سبحانه , مثل ( لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ ) أو على: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي ) أو على: ( وَمَالِيَ ) ثم يبتدىء ما بعده فيقول: ( لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي...) . فلا يجوز الوقفُُ على ذلك إلا لضرورةٍ كأن ينقطع نَفَسُ القارىء أو عرض له عُطَاسٌ , فإذا وقف وجب عليه أن يعود إلى ما قبله لِيَصِلَهُ بما بعده, بحيث يَحْسُنُ ويَتِمُّ المعنى , فإن وقف وابتدأ بما بعده كان قبيحًا.
قال ابن الجزري ملخصًا باب الوقف والابتداء الاختياري:
وَبَعْدَ تَجْوِيدَكَ لِلْحُرُوفِ لا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْوُقُوفِ
وَالابْتِدَاء , وَهِيَ تُقْسَمُ إِذَنْ ثَلاثَةٌ: تَامٌ , وَكَافٍ , وَحَسَنْ
وَهْيَ لِمَا تَمَّ: فَإِن لمْ يُوجَدِ تَعَلُّقٌ - أَوْ كَانَ معنىً - فَابْتَدِي
فالتَّامُ , فَالْكَافي , وَلَفْظًا: فامْنَعَنْ إلا رُؤُوسَ الآيِ جَوِّزْ , فَالْحَسَنْ
وَغَيْرُ مَا تمِّ: قَبِيحٌ , وَلَهُ يُوقَفُ مُضْطَرًا وَيُبْدَأُ قَبْلَهُ
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ وَقْفٍ وَجَبْ وَلا حَرَامٌ غَيْرُ مَالَهُ سَبَبْ
الوقف الاختباريُّ: هو أن يأْمُرَ الشَّيْخُ - الذي يسمَعُ - تلْميِذَه بالوقف على كلمةٍ ما ليختبر معرفته بكيفية الوقوف عليها , كأن يقول له: قف على قوله تعالى: ( امْرَأَتُ ) من قوله تعالى ( امْرَأَتُ عِمْرَانَ ) ليختبره هل سيقِفُ عليه بالتاء أم بالهاء , وذلك حتى يُعَلِّمَهُ كيف يقِفُ عليها حال الاضطرار أو الاختبار , ولذلك سُمَّي اختباريًا , وحكمه الجواز , لأجل التعلُّم.
الوقف الانتظاريُّ: وهو وقْفٌ خاصٌّ بمن يجمعُ القراءاتِ السبع أو العشر على شيخٍ فإنه يقف عند كلمةٍ يحسنه الوقوف عليها ثم يستأنف الآية من أولها حتى يستوعب الوجه كلها , وسمي انتظاريًا لأنه ينتظر أن يأتي بالوجه الآخر من القراءة. وحكمه الجواز , لأن القارىء يختار الوقفَ الحسن.
الوقف الاضْطراريُّ: وهو أن يحدث للقارىء أثناء قراءته أمر اضطراري ليس له فيه اختيار مثل انقطاع النفس , أو طروء عطاس , أو سعالٍ ونحوِ ذلك فيجوز له أن يقف في أي مكانٍ على آخرِ كلمةٍ , ثم يستأنف القراءة من مكان يحْسُنُ البدءُ به ويتابعُ قرائته.
الوقف التَّعَسُّفِيُّ: لقد قل تناون الباحثين المعاصرين هذا الوقف لقلة من يقول به في زماننا , وهو من الوقوف الممنوعة الملحقة بالوقف القبيح , لأنه يؤدي إلى معنىً غير مقصودٍ من سياق الآية , وسمِّيَ (( تَعَسُّفِيًَّا ) )لأن أهل الأهواء تكلَّفُوا وتعسَّفُوا في تأويله أي: سلكوا طريقًا غير مرادٍ , لا عقلًا ولا شرعًا .
أمثلة على وقف التعسُّف: فمن ذلك: الوقف على: ( أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ) والابتداء بـ: (هُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) على أنها مُبْتَدَأُ وَخَبَرٌ. ومن ذلك الوقف على: ( وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ ) والابتداء بـ: (رَأَيْتَ نَعِيِمًا) . ومن ذلك الوقف على: ( عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى ) أي مسماة ومعروفة , ثم يبدأ ( ٍسَلْسَبِيِلًا ) على أن سَلْ فعل أمر بمعنى: اتْبَعْ سبيلًا أي طريقًا يوصلك إلى تلك العين , وهذا مردود , لأنه رُسِمَتْ في القرآن موصولة. ومن ذلك الوقف على: ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ ) ثم الابتداء بـ ( بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) وكأنَّه يحلف يمينًا بالله , والأمثلة على ذلك كثيرة موجودة في المطولات.
وقف المُراقَبَة أو المُعانَقَة: إذا تعانق الوقفان بأن اجتمعا في مَحَلٍ واحدٍ فلا يصح للقارىء أن يقف على كُلٍّ منهما , بل إذا وقف على أحدهما امتنع الوقف على الآخر لئلا يَخْتل المعنى , وسُمِّيَ: (( تعانقًا ) )لأن الوقفين قد تعانقا , وسُمِّيَ: (( وقف المراقبة ) )لأنَّ القارىء يراقب الوقف الثاني فينبغي عليه أن ينتبه فلا يقف عنده أذا وقف في الموضع الأول .
أمثلته: حصرها بعضهم بخمسة وثلاثين موضعًا في القرآن الكريم ومنها:
الأول: قوله تعالى: ( لا رَيْبَ( ) فإنه يراقب قوله تعالى: ( فِيهِ فإذا وقف على أحدهما لا يقف على الآخر .
الثاني: قوله تعالى: (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِم فإنه يراقب قوله تعالى ( أَرْبَعِينَ سَنَةً .
الثالث: قوله تعالى: (وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ فإنه يراقب قوله: (وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ إلى غير ذلك من الأمثلة التي يمكنُ الرُّجوعُ إليها في الكتب المطَوَّلاتِ.
كيفية الوقوف الصحيح
إنَّ أي كلمةٍ في القرآنِ يُوقَفُ عليها بأحدِ أشياء ثلاثة:
1-الإسكان المحض: وهو أن تقف على الكلمة بالسُّكونِ الكامِلِ بدونِ أي شائبةٍ من حركةٍ أو إشمامٍ على الحركات كلها.
2-الرَّوْم: هو النطق ببعض الحركة بصوتٍ خفيٍّ يسمعُهُ القريبُ دونَ البيعدِ , وسُمِّيَ رَوْمًا لأن القارىء يًَرُومُ الحركةَ , أي: يُرِيدُها وهو يرى ولا يسمع.
متى يكون الرَّوْمُ ...؟
يكون في المرفوع , مثل: ( نَسْتَعِيِنُ ) والمضمومِ: مثل: يَاشُعَيْبُ ) والمجرور مثل: ( الرَّحِيمِ ) والمكسور مثل: ( هَؤُلآءِ ) .
3-الإشمام: هو ضمُّ الشفتين بدون صوتٍ بعيد إسكان الحرف الأخير من الكلمة من غير تراخٍ , وسُمِّيَ إشمامًا , لأننا نُشِمُّ الحرف حركةَ الضم إشمامًا ولا نَنْطُقُ بالْحَرَكَةِ.
ملاحظات حول الروم والإشمام:
الملاحظة الأولى: يجب على من يريد أن يقرأ القرآن أن يتعلم كيفية الرَّوْم والإشْمام من المشايخ المهرة المجوِّدين المتقنين , لأنها صفة لا يمكن أن تُفْهم من الكتب.
الملاحظة الثانية: فائدةُ الإشْمام أن يدرك الشيخ أن القارىءَ يعرف حركة الحرف الذي وقف عليه , فعلى سبيل المثال: كثير من الناس عندما يَقِفُ على قوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ) , (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ) ويُطْلَبُ منه أن يصِلَ لَفْظَ ( الْمَجِيدُ ) بما بعده لا يعرف كيف يحركها , لأنه اعتاد أن يقف عليها بالسكون , فهو لا يعرف حركتها فتراه يقرؤها بالجر , والصحيحُ أنها بالرفع , لأن (الْمَجِيدُ) صفة بعد صفة , أو خبر بعد خبر , وهو معطوف على ( الْغَفُورُ ) وهو مرفوع.
الملاحظة الثالثة: حول كلمة ( تأْمَنَّا ) : أصل هذه الكلمة: ( تَأْمَنُنَا ) بنونين الأولى مرفوعة والثانية مفتوحة وهي نون المتكلم , وقد أجمعت المصاحف على رسمها بنون واحدة , وأما نطقها فيجوز لحفصٍ عن عاصمٍ فيها وجهان:
أ- إِدْغَامُ النُّونِ الأولى في الثانية مع الإشمام , والإشمام هنا أن تَضُمَّ شَفَتَيْكَ من غير صَوْتٍ بُعَيْدَ إسكان النُّون الأولى وإدغامها في الثانية إدْغامًا تامًّا وقبل استكمالِ التشْديد , أيْ قبلَ النُّطْقِ بالنُون الثانية.
ب- الاختلاس , ويُعَبِّرُ عنه البَعْضُ بالرّوم , أو الإخفاءِ , وكيفيتُهُ أنْ تَنْطِقَ بالنون الأولى مضْمُومَةًَ مُظْهَرَةً , ولكن ليس بكامِلِ حَرَكَتها , إنما عليك أن تُذْهِبَ أكثر هذه الحركة وتُبْقِيَ في النُّطْقِ بعضها , ثم تنطق بالنون الثانية مفتوحَةًَ كامِلَةَ الفَتْحِ مُظْهَرَةً لا تشْدِيدَ فيها , وهذا لا يُدْرَكُ إلا بالمشافهة من المشايخ المَهَرَةِ المتقنين. ( وقدر العلماء الصوت المتبقي بثلث الحركة , وأن المحذوف هو الثلثان ) .
الملاحظة الرابعة: تَبَيَّنَ لك مما سَبَقَ أن الأصْلَ في الإشْمام لِحَفْصٍ أن يكون في الوقفِ آخرَ الكلمةِ , ولا يُوجَدُ عنده إشمامٌ في الوَصْلِ أوْ في وَسْطِ الكَلِمَةِ إلا في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ هي كَلِمَةُ ( تَأْمَنَّا ) في سورة يوسف (11) .
الملاحظة الخامسة: يمتنع الإشمام والرَّوم في الحالات التالية:
1-إذا كان الحرف الأخير من الكلمة ساكنًا ثم عُرِضَت له الحركة في الوصل تخلصًا من التقاء الساكنين , نحو: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِىء ) ونحو: ( قُلِ ادْعُواْ اللّه ) , ( مَن يَشَإِ اللّه ) .
2-إذا كان آخر الكلمة تاء تأنيث رسمت بالهاء فيوقف عليها بالهاء الساكنة فقط , نحو ( الْجَنَّة ) , ( الصَّلاة ) , ( رَحْمَة ) , ( آية ) .
3-إذا كان آخر الكلمة ميم جمع , نحو: (عَلَيْكُمُ الصِّيَام ) عند جميع القراء , ونحو: (عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين ) عند من يضم ميم الجمع وصلًا مع وصلها بواو لفظًا , ولا يجوز الوقف إلا بالإسكان.
ويستحب الوقف بالروم والإشمام إذا كان القارىء بحضرة من يستمع ويتابع قراءته , أما إذا كان وحده أو مع جماعة منشغلين عن متابعة القراءة فلا داعي للإتيان بهما.