في هذا اليوم وبعده. وبعدها يصلي الظهر والعصر جمع تقديم وقصرًا؛ وذلك ليطول وقت
الوقوف والدعاء بعد الصلاة؛ حيث يتفرغ للذكر والدعاء والتضرع إلى الله، ويدعو بما
أحب من خيري الدنيا والآخرة، وليس لعرفة دعاء مخصوص، ويستحب أن يرفع يديه
حال الدعاء، ويستقبل القبلة. والأفضل أن يجعل الجبل بينه وبين القبلة، إن تيسر ذلك.
ووقت الوقوف يمتد إلى طلوع الفجر من يوم العيد. وعليه أن يتثبت من كونه داخل عرفة،
ولا يخرج من عرفة إلا بعد غروب الشمس.
وبتأمل أعمال هذا اليوم العظيم نقتطف بعض الملامح التربوية؛ وذلك من منظور دوره
ركيزةً من ركائز المشروع الحضاري:
أ -"الحج عرفة" (2) بهاتين الكلمتين وضح صلى الله عليه وسلم أهمية هذا الركن من
أعمال الحج، ولقد أجمع العلماء على أن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم؛ فهو اليوم
الذي يجتمع فيه كل الحجيج في مكان واحد، وفي يوم واحد، وإن امتد وقت الوقوف.
وكأن المقصود هو اجتماع ممثلي الأمة من كل جنس ولون، ومن كل أرض وصقع، وكأنه
مؤتمر سنوي يناقش هموم الأمة، ويعطي الدليل على كيفية اجتماعها.
وعندما نتدبر مغزى حديثه صلى الله عليه وسلم أن الحج الصحيح هو من أدرك الوقوف
يوم عرفة فإننا نستشعر أن جمع الأمة على هذه الصيغة من الأهمية العظيمة بمكان،
ويبرهن أيضًا على أن حضور هذا المؤتمر السنوي الكبير يجب ألاَّ يتخلف عنه أحد ممن
حضر من ممثلي الأمة.
وكم هو منهج عظيم عندما يدعو في كل مناسبة إلى الوحدة، ويشيد بالجماعية وبركتها،
وينبذ أفكار التشتت والتشرذم!
ب - في توجه الحجيج إلى عرفات تحت راية التكبير والتوحيد والتهليل يفهم منه أهمية
الفكرة الربانية ودورها أن ركيزة التجميع لهذه الأمة هي كلمة التوحيد؛ فهي الفكرة
الربانية التي رشحها الحق ـ سبحانه ـ لأن تجتمع عليها الأمة ـ كل الأمة ـ وهي الراية
التي من الممكن أن يتجمع حولها كل الناس؛ فتنطلق بهم إلى سيادة الدنيا، وسعادة
الآخرة.