ونحن في هذا المقام نضيف دليلًا آخر يؤكد ما قلناه؛ وهو ما أورده (ابن خلدون) في مقدمته
(أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين
على الجملة؛ والسبب في ذلك أنهم ـ لخُلُق التوحش الذي فيهم ـ أصعب الأمم انقيادًا
بعضهم لبعض. فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب عنهم
مذمومات الأخلاق، ويأخذهم بمحمودها، ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق ـ تم اجتماعهم
وحصل لهم التغلب والملك، وهم مع ذلك أسرع الناس قبولًا للحق والهدى والسلامة) (3) .
ج- وفي قصر الصلاة وجمعها نستشعر منه وكأن المقصود أن يطول وقت الوقوف
والتضرع إلى الله ـ عز وجل ـ وذلك من شأنه أن يحقق الهدف الثاني من أهداف ركن
الحج وهو قطف ثمرته الروحية من ذكر ودعاء واستغفار؛ فهو فرصة سانحة لا تتكرر إلا
كل عام، ولمن سعدوا بحضورها؛ حيث تبدو سويعات الوقوف وكأنها دورة تربوية روحية
مركَّزة قدَّرها ـ سبحانه وتعالى ـ لمعالجة بعض جوانب تلك الحالة الاعتلالية التي تحدثنا
عنها في (ظاهرة التآكل الروحي) ؛ حيث تتسرب إلى بعض النفوس.
وتدبر كيف أن المربي العظيم صلى الله عليه وسلم قد عمم الترغيب في آثار الحج الروحية
عمومًا، ثم خصص أهمية يوم عرفة، من ذلك:"من حج هذا البيت؛ فلم يرفث، ولم يفسق"
رجع كيوم ولدته أمه" (4) ،"العمرة إلى العمرة كفارة لم بينهما، والحج المبرور ليس له
جزاء إلا الجنة" (5) ،"ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة،
وإنه ليدنو ـ عز وجل ـ ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟" (6) ."
د - في هذا اليوم، وفي أثناء فرحة الحجيج بموقفهم، وبمؤتمرهم الجليل، وبينما هذا
الجمع الطيب مشغول في دورته الروحية كان من الفقه العميق أن يُعرِّج الحبيب صلى الله
عليه وسلم إلى التحذير من العدو المبين ذلك الذي يتأذَّى حسدًا وحقدًا من مجرد سجود