الصفحة 46 من 69

قوله صلى الله عليه وسلم: (( كل الناس يغدو فبائع نفسه ) )معناه كل إنسان يسعى لنفسه ، فمنهم من يبيعها لله بطاعته فيعتقها من العذاب ، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعهما (( فيوبقها ) )أي يهلكها، قال عليه الصلاة والسلام: (( من قال حين يصبح أو يمسي: اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وأنبياءك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ،وأن محمدًا عبدك ونبيك، أعتق الله ربعه من النار ، فإن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار ، فإن قالها ثلاثاُ أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار ، فإن قالها أربعًا أعتق الله كله من النار ) ).

فإن قيل: المالك إذا أتق بعض عبده سرى العتق إلى باقيه والله تعالى أعتق الربع الأول فلم يسر عليه وكذلك الباقي.

فالجواب: إن السراية قهرية ، والله تعالى لا تقع عليه الأشياء القهرية بخلاف غيره ، ولا يقع في حكمه سبحانه ما لا يريد ، قال الله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهمُ الجنةَ يُقاتلون في سبيلِ الله فَيَقتلون ويُقتَلون وعدًا عليه حقًا في التوارة والإنجيل والقرآن و من أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيِعكُم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم } [التوبة:111] .

قال بعض العلماء: لم يقع بيع أشرف من هذا ، وذلك أن المشتر ي هو الله ،و البائع المؤمنون ،والمبيع الأنفس ، والثمن الجنة.

وفي الآية دليل على أن البائع يجبر أولًا على تسليم السلعة قبل أن يقبض الثمن ،وأن المشتري لا يجبر أولًا على تسليم الثمن.

وذلك أن الله تعالى أوجب على المؤمنين الجهاد حتى يقتلوا في سبيل الله فأوجب عليهم أن يسلموا الأنفس المبيعة ويأخذوا الجنة . فإن قيل: كيف يشتري السيد من عبيده أنفسهم ،و الأنفس ملك له ؟! قيل: كاتبهم ثم اشترى منهم ،والله تعالى أوجب عليهم الصلوات الخمس والصوم وغير ذلك ،فإذا أدّوا ذلك فهم أحرار ،و الله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت