الصفحة 65 من 69

قوله تعالى: (( ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه ) )ضرب العلماء رضي الله تعالى عنهم لذلك مثلًا فقالوا: مثل الذي يأتي بالنوافل مع الفرائض ، ومثل غيره كمثل رجل أعطى لأحد عبديه درهمًا ليشتري به فاكهة، وأعطى آخر درهمًا ليشتري فاكهة ، فذهب أحد العبدين فاشترى فاكهة فوضعها في قوصرة ، وطرح عليها ريحانًا ومشمومًا من عنده ، ثم جاء فوضعها بين يدي السيد ، وذهب الآخر واشترى الفاكهة في حجره ثم جاء فوضعها بين يدي السيد على الأرض ، فكل واحد من العبدين قد امتثل ، لكن أحدهما زاد من عنده القوصرة والمشموم فيصير أحب إلى السيد. فمن صلى النوافل مع الفرائض يصير أحب إلى الله ، والمحبة من الله إرادة الخير ، فإذا أحب عبده شغله بذكره وطاعته وحفظه من الشيطان ، واستعمل أعضاءه في الطاعة ، وحبب إليه سماع القرآن والذكر وكرَّه إليه سماع الغناء وآلات اللهو وصار من الذين قال الله تعالى: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا } [الفرقان:63] .فإذا سمعوا منهم كلامًا فاحشًا أضربوا عنه وقالوا قولًا يسلمون فيه ، وحفظ بصره عن المحارم فلا ينظر إلى ما لا يحل له ، وصار نظره فكر واعتبار ، فلا يرى شيئًا من المصنوعات إلا استدل به على خالقه . وقال على رضي الله عنه: ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله تعالى قبله . ومعنى الاعتبار العبور الفكر في المخلوقات إلى قدرة الخالق ، فيسبح عند ذلك ويقدس ويعظم وتصير حركاته باليدين والرجلين كلها لله تعالى ولا يمشي فيما لا يعنيه ولا يفعل بيده شيئًا عبثًا بل تكون حركاته وسكناته لله تعالى ، فيثاب على ذلك في حركاته وسكناته وفي وفي سائر أفعاله .

قوله تعالى: (( كنت سمعه ) )يحتمل كنت الحافظ لسمعه ولبصره ولبطش يده ورجله من الشيطان ،ويحتمل كنت في قلبه عند سمعه وبصره وبطشه. فإذا ذكرني كفَّ عن العمل لغيري.

الحديث التاسع والثلاثون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت