احتج المؤلف بهذا الحديث على جواز الأخذ عنهم في موضوع كأشراط الساعة ، وحاول أن يخفف الأمر بأنه يستأنس فقط بكلامهم ، والواقع أنه جعل من أقوالهم حجة بل أصولًا يستند إليها ، وما أدل على ذلك من الفصل الذي سماه"هرمجدون"، فذكر أقوال أهل الكتاب أولًا مستدلًا بها ، ثم بعد أن أشبع الأمر شرحًا وتفصيلًا ، ذكر حديثًا واحدًا حاول أن يلوي عنقه ليقوى هذا الأصل الذي أصله ، وسيأتي بيان ذلك بمشيئة الله تعالى في الفصل السابع من الباب الثاني.
ولكن هل معنى"وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"كما فهمه المؤلف وتعلق به ؟
لنرجع إلى أقوال أهل العلم في شرح هذا الحديث لنعرف ذلك .
قال الحافظ ابن حجر:
"قوله ( وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم ، لأنه كان تقدم منه صلى الله عليه وسلم الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم ، ثم حصل التوسع في ذلك ، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية ، والقواعد الدينية خشية الفتنة ، ثم لما زال المحذور ، وقع الإذن في ذلك ، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار" [1]
وقال ابن حزم:
"وكذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: ( لا تصدقوا أهل الكتاب إذا حدثوكم ، ولا تكذبوهم تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل ) أو كلامًا هذا ، فهذا حكم الأخبار الواردة في الوعظ وغيره" [2]
وروى الخطيب البغدادي عن الشافعي أنه قال:
" ( حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) أي لا بأس أن تحدثوا عنهم مما سمعتهم ، وإن استحال أن يكون في هذه الأمة مثل ما روي أن ثيابهم تطول ، والنار التي نزل من السماء فتأكل القربان ، ليس أن يحدث عنهم بالكذب" [3]
فالأمر واضح بأن الإذن بالرواية عنهم للاعتبار بذكر قصصهم في الوعظ وما جرى لهم من سنن الله.
(1) فتح الباري ( 6 / 498 )
(2) الإحكام ( 8/ 599 )
(3) "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" ( 2/ 117 )