الصفحة 121 من 123

ولئن استدل بعضهم على نسخ المحاسبة فإن مذهبهم ضعيف، لأن في الآية وعد ووعيد وذلك لا يحتمل النسخ الذي يعد هنا خلفا وبداء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. إلا أن من نفى النسخ اشترط للمحاسبة أن تكون خطرات النفس مصحوبة بالاعتقاد والعزم، وبغير هذا تدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (إن ربكم رحيم، من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت عشر إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت واحدة أو يمحوها، ولا يهلك على الله إلا هالك) سنن الترمذي وسنن الدارمي والمعجم الكبير.

ومع ذلك فإن من يشغل قلبه بأمراضه ونجواه، وإن لم يصاحب ذلك عزم واعتقاد يكون قد ضيع مكسبين، أولهما أجر شغل النفس بالخير والفضيلة، وثانيهما راحة البال والسكينة اللتان تملآن القلب المطمئن إلى ربه الخالي من الأمراض.

قال صلى الله عليه وسلم عندما سئل: أي الناس أفضل؟: (كل مخموم القلب صدوق اللسان) قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: (التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد) ابن ماجه بإسناد صحيح.

كما حذر من أمراض القلوب قائلا:

- (دب فيكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، أما إني لا أقول: تحلق الشعر ولكن تحلق الدين) البزاز بإسناد صحيح والبيهقي.

- (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ... ) البخاري ومسلم.

4 -إثم الجوارح ظاهرا وباطنا:

الجوارح مفردها جارحة، من جرح واجترح بمعنى اكتسب وعمل، مجاز من معناه الأصلي الذي هو جرح السيف ونحوه، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ) الأنعام 60، وقال: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) الجاثية 21.

ومنه لفظ"الجوارح"بمعنى السباع والطير التي تستعمل للصيد، لأنها تجرح لصاحبها، أي تكسب له، واحدتها جارحة؛ ومن المجاز أيضا الجوارح بمعنى أعضاء الإنسان وعوامله، لأن بها يكسب الخير والشر؛ وهي السمع والبصر والفم واللسان واليد والرجل والفرج. فإن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت