إن معضلة التعامل بين الإنسان وبين أخيه الإنسان ومختلف الخلائق في الكون، برزت منذ وجود آدم عليه السلام في الجنة مع زوجه حواء، ثم ظهرت بشكل حاد في الخلاف بين ولديه قابيل وهابيل إذ قتل أحدهما الثاني ظلما وعدوانا.
ولئن كان الفكر البشري قد حاول معالجة هذه القضية فلسفيا في مباحث القيم التي تضم ثلاثية الحق والخير والجمال، فبدت في حقب من التاريخ مغرية براقة، فقد أثبتت التجربة والمتابعة العلمية للتطور البشري تهافت هذه المحاولة وعجزها عن بناء سلوك إنساني راق أو علاقات اجتماعية متكاملة، أو مجتمع سوي رشيد. ولعل أخطر ما ارتكبته هذه المباحث هو تجاهلها للفطرة وقانونها في الصفاء والسواء الأصيلين لها، وهو ما بينه القرآن الكريم بقوله تعالى في الآية الرابعة من سورة التين (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) وبينه الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن رب العزة سبحانه وأخرجه مسلم (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا) ، وقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِه، ِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ) .
وبذلك فقدت الفلسفة جدواها ودورها المرتقب منها، وانكشف عجزها عن بناء منظومة تفسير وتغيير، تساهم في بناء مجتمع نظيف سوي.
هذا الفراغ في مجال التأسيس الاجتماعي الإنساني لم يستطع سده إلا الدين الإسلامي الرباني في مرحلتيه الموسوية والعيسوية قبل تحريفهما ونسخهما، ثم في المرحلة المحمدية الناسخة التي ذكر رائدها عليه الصلاة والسلام حكمة بعثته وهدفها الاجتماعي بقوله (إنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) في رواية أحمد، وقوله (بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ) في رواية مالك بالموطأ. ثم أعطى من نفسه القدوة العملية فكان خلقه القرآن وشهد له بذلك رب العزة.
إن انبناء الأخلاق على الفطرة السليمة وهو ما أشار إليه الكتاب والسنة، يجعل التكاليف الشرعية والاجتماعية، عبادات وقربات وممارسة عادات سوية، معقولة المعنى حكيمة التوجه واضحة المقصد، سليقية التطبيق والالتزام والانسجام.
وانبناءها على العضوية المعنوية والنفسية والمادية في المجتمع يجعل لها دورا في إخراج الأمة الشاهدة للوجود، وهدفا غاية في الوضوح والتجرد والانضباط، ويجعل المرء جزءا لا يتجزأ في جسد واحد يتخذ من الدنيا مطية للآخرة، وسبيلا للسعادة في الدارين. لذلك كان لتوفر الأخلاق الحميدة أهمية كبرى في المجتمع البشري، كما أن انعدامها يؤدي إلى مختلف الأمراض والعلل النفسية والجسدية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ذلك أن الإنسان يشترك مع الكائنات الحية في كثير من الصفات، نوما ويقظة وفرحا وحزنا وغضبا ورضا، وأكلا وشربا واستمتاعا، وفي كثير من الأعضاء الجسدية والشكل الظاهر، ولكنه