فهرس الكتاب
ثم عقب سبحانه على التوبة من الذنوب بقوله: (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) الفرقان 71، فالتوبة الأولى توبة من الذنوب ورجوع عن المعصية إلى الطاعة، وإقلاع عن الخطأ إلى الصواب،، أما التوبة الثانية هنا فتعني الرجوع إلى الله وحكمه، وإلى صراطه المستقيم، واستحقاق نعيمه المقيم، كما تعني كذلك أن من تاب تاب الله عليه وغفر له، مثل قوله (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيما) 110، وهذا إخبار منه تعالى بواسع رحمته وعموم لطفه وجزيل إحسانه.
إن لفظ"عباد الرحمن"وصف يطلق على أشخاص يتحلون بصفات محددة ذكرها الله عز وجل في هذه الآيات المباركة. إلا أن هذا اللفظ أيضا يعد مصطلحا أخلاقيا صرفا يدل على بناء سلوكي متكامل كالقصر المشيد، له أسسه وركائزه ومرافقه وزينته، جزئياته وكلياته متكاملة لا تنفصل عن بعضها أو تستغني.
وقد أوجز عز وجل في هذه الآيات الكريمة معالم هذا البناء وأجمل سماته، فبدأ بالأركان الإيجابية منها، تواضعا وحلما وتهجدا واستعاذة من النار واعتدالا (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ... الآية) ، وثنى بقواعد البناء التي يقوم بها وعليها، اجتنابا للكفر والشرك والكبائر قتلا وفاحشة (َوالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ... ) ؛ ثم أحكم المبنى بذكر التحسينات التي لابد منها للتكامل والجودة فقال:
1 - (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) الفرقان72
وحرف الزاي والواو والراء أصل واحد يدل على الميل والعدول، ومنه"ازوَرَّ عن الشيء"إذا مال عنه وانحرف، وكل ما هو تغيير للحق والحقيقة زور، فالكذب زور لأنه ميل عن طريق الحق، والشرك والكفر والباطل أيا كان زور، ومجالس اللهو والعبث والفاحشة زور كذلك، أما شهادة الزور فمنها حضور كل مجلس يجري فيه ما لا يجوز شرعا أو مروءة، لأن مجرد مشاهدة هذه المجالس أو حضورها اشتراك فيها وإقرار لها ورضا بها، يقول تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الأنعام 68، ويقول أيضا: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) الحج30، ومنها أيضا تزوير الحقائق وقلبها عند