ولو نظر الناظر في هذه الخصال بعين الإعتبار وفتش مجتمعاتنا الإسلامية لوجد هذه الفضائل ونحوها لا تكاد مجتمعة عند أحدٍ من أهل زماننا إلا أن يشاء الله، لا لشئ سوى ابتعاد الكثرة عن منهج السلف الصالح وانشغالهم بماديات العصر وزخارفه .
يقول الإمام المحدث على بن عبد الله المديني كما في سير أعلام النبلاء: سمعت سفيان يقول:"كان ابن عياش المنتوف يقع في عمر بن ذر ويشتمه فلقيه عمر فقال: يا هذا لا تفرط في شتمنا، وأبق للصلح موضعًا فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه".أ.هـ
ومن أجلّ الأخلاق وأعلاها مما يطلب حصوله من أهل الإسلام الإحسان إلى المسيئ وهي المقصود من قوله تعالى: (( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ) [فصلت: 34] .
وها هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقيمه تقربًا لله وهذا ينجلي في مواقف عدة من حياته العملية .
أسوق منها موضعين:
الأول: ما أخرجه الشيخان عن عُرْوَة أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟
قال:"لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت ."
فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب.
فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم .
فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا" (3) .