فقد استرعت هذه الحادثة انتباه الباحث الألماني أغسطينوس موللر ( 1148- 1894) ، فتوقف عندها مليًا ، في كتابه"الإسلام"، وتعرض لسياسة النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المقام وأنه"أدهش قريشًا بسياسته الرشيدة" (1) .
كما توقف الأب هنري لامنس عند هذه الحادثة فقال:
"لما اختلفت قريش في قضية بناء الكعبة ، وأي فخذ منها يجب أن يعهد إليه بوضع الحجر الأسود في مكانه ، وكادوا يقتتلون ، فاتفقوا على أن يعهدوا بذلك إلى محمد بن عبد الله الهاشمي [- صلى الله عليه وسلم -] ، قائلين: هذا هو الأمين !" (2) .
ولقد ربط المستشرق"أرثر جيلمان"بين هذه الحادثة التي منعت اقتتال القبائل العربية، وبين المرحلة التالية لبدء البعثة والوحي ، والتي تشكل مقدمة الدعوة الإسلامية، بقوله:
"لا بد أن يكون محمد [- صلى الله عليه وسلم -] قد تأثر بإعجاب القوم وتقديرهم العظيم بهذه الفكرة التي بسطت السلام بين مختلف القبائل ، ولايستبعد أن يكون محمد [- صلى الله عليه وسلم -] قد أخذ يحس بنفسه أنه من طينة أرقى من معاصريه ، وأنه يفوقهم جميعًا ذكاءً وعبقرية ، وأن الله قد اختاره لأمر عظيم .. !" (3) .
المطلب الثالث: نماذج المعاهدات مع القبائل المجاورة للمدينة:
فلقد عقد النبي - صلى الله عليه وسلم - في العام الثاني من الهجرة- المعاهدات مع القبائل المجاورة للمدينة لا سيما تلك القبائل التي كانت على الطريق التجاري المؤدي إلى الشام، وذلك من أجل أربعة أهداف:
الهدف الأول: تحييد هذه القبائل في قضية الصراع بين المسلمين والمشركين، وألا يكونوا يدًا مع المشركين على المسلمين .
الهدف الثاني: تأمين الحدود الخارجية للدولة .
الهدف الثالث: اعتراف هذه القبائل بدولة المسلمين
(1) انظر: محمد شريف الشيباني: الرسول في الدراسات الإستشراقية المنصفة، ص 22، 23.
(2) هنري لامنس: عهد الإسلام ، ص65
(3) ارثر جيلمان: الشرق ، ص 117