وإن استجابة الصحابة رضي الله عنهم لهذا الخلق الرفيع دليل على مبلغ تأثير الإيمان بالله تعالى على السلوك إذا وقر في القلب وكان على منهج الله القويم . وقد بين الله سبحانه وتعالى الشعور الذي يخالج نفوس المؤمنين نحو إخوانهم السابقين من الصحابة رضي الله عنهم حيث يقول تعالى [ الحشر: 10] فليس هنالك مبدأٌ أبلغ من الأخوة الإيمانية في ربط القلوب وتوحيد الهدف , فهي الأفق السامي الذي تُحلِّق إليه العناصر الزكية من البشر جميعا على مختلف أجناسهم ولغاتهم وألوانهم, وهي في أثناء تحليقها نحو هذا الأفق السامي تنظر إلى الروابط الجاهلية الحقيرة نظرة استخفاف واحتقار وقد كانت من قبل تعتز بها وتعدُّها أشياء مقدسة غير قابلة للنقد والتبديل .
وفي هذا الدعاء السامي توجيه كريم من الله سبحانه وتعالى لما يجب أن تكون عليه الأمة الإسلامية من التكامل والانسجام بين ماضيها وحاضرها فالذين مضوا هم إخواننا في الدين , وإن لم يكن بيننا وبينهم لقاء وتعارف بالأبدان فإن الأرواح جميعا موصولة بالله تعالى .
وإن هذا ليعدُّ خروجا عن المألوف في حياة الناس العادية حيث يألف الإنسان من يعيشون معه ويخالطونه ولكنه لايحس بشيء من الألفة لمن سبقوه في الزمن ولايشعر بارتباط مشاعره معهم , أما المؤمنون بالله تعالى على منهجه الذي شرعه للناس فهم منتظمون في سلك واحد , فالمؤمن في هذا العصر يشعر بارتباطه القلبي مع أبيه آدم عليه السلام وجميع المؤمنين من أبنائه على مر العصور .
كما أنه يشعر بفضل إخوانه السابقين عليه في الإسلام الذين نقلوا هذا الدين بأمانة وإخلاص وخدموه بما وهبهم الله من عقل سليم وفكر ثاقب فيدعو الله لهم بالمغفرة لأنهم وقد انتقلوا من دار الفناء لايحتاجون إلا إلى هذا الدعاء الصالح فهو أفضل مايقدم لهم من شكر على ماقدموه للأجيال التي لحقتهم من خدمة وتوجيه نحو فهم هذا الدين وأسوة حسنة في تطبيقه في مجتمعهم .