ومن ذلك ندرك علاقة هذا المقياس الكريم بالإخاء الإسلامي لأنه مقياس عالمي شامل باستطاعته أن يُوجِد الإخاء بين المؤمنين المتقين من عموم البشر فينتشل العناصر الطيبة الزكية من بين المجتمعات الهابطة في حمأة الرذيلة ليعقد بينها الإخاء القوي المتماسك.
ولقد روى لنا التاريخ كيف اجتمع في ذلك المجتمع الصغير في أول ظهور الإسلام المسلم العربي مع الفارسي مع الرومي مع الحبشي على الإخاء الإسلامي , وماكانوا ليجتمعوا لو كان مقياس الكرامة عنصريا يُغَلِّب شرف النسب أو اللغة أو الوطن أو اللون.
ولقد رأى الناس أن رسول الله ( يرفع من شأن أولئك الذين استضعفهم أهل الجاهلية وخلَّدوا في أذهان الناس احتقارهم , كما خلَّدوا في أذهانهم تسويد طائفة رَفَعها نسبها أو أي اعتبار آخر من الاعتبارات الجاهلية .
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك ما أخرجه الإمام ابن جرير من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: مرَّ الملأ من قريش برسول الله ( وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يامحمد أرضيت بهؤلاء من قومك ؟ أهؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعا لهؤلاء ؟ اطردهم عنك , فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فنزلت هذه الآية(1) [الأنعام:52 - 53] .
وذكره الهيثمي من رواية الإمام أحمد والطبراني بنحوه وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح غير كردوس - يعني ابن العباس الثعلبي - وهو ثقة (2) .
وأخرجه الإمام مسلم بنحوه (3) .
فالإسلام هو الذي رفع شأن هؤلاء المستضعفين , وهذا من مميزات مقياس الكرامة في الإسلام , حيث يتساوى الناس جميعا في إمكانية بلوغه, أما المقاييس الجاهلية فهي ضيقة محدودة جائرة , لأنه ليس باستطاعة من استهجن العرف الاجتماعي نسبه ولونه أن يرفع من نسبه , ولا أن يغير لونه .
الواقع التاريخي لتطبيق هذه الرابطة
(1) ... تفسير الطبري .
(2) ... مجمع الزوائد 7/21 .
(3) ... صحيح الإمام مسلم فضائل الصحابة رقم 46 .